أنور سلمان: من قانا إلى مدريد

الشاعر اللبناني الراحل أنور سلمان

قصيدة من قانا إلى مدريد للشاعر اللبناني الكبير الراحل أنور سلمان، والتي كتبها في ذكرى شهداء مجزرة قانا عام ١٩٩٧ ننشرها لمناسبة الاعتداء على القدس.

الشاعر اللبناني الراحل أنور سلمان

وماذا بعدُ عن أخبارها النَّكساتُ
في تاريخ أمَّتنا؟…
ألمْ نتعبْ؟

حمَلْنا عارَنا خمسين عاماً،
كيف لم نتعبْ!؟
رفَعْنا راية التحريرِ لم يسطَعْ لنا سيفٌ،
ولم تصهلْ لنا خَيْلٌ،
وما زِلنا
على الصَّهواتِ فوق خيولنا نُصْلَبْ.
ولم نتعبْ!

فرشْنا دربنا للقُدْسِ أحلاماً مُلوَّنةً،
وأشعلْنا قصائدنا لعتْمَتِها قناديلاً،
ولكن نحنُ لم نذهبْ!

وكمْ بالأمسِ
أطلقْنا شعاراتٍ…
أهازيجَ انتصاراتٍ.
فلَمْ يرقُصْ على ايقاعها وطنٌ
ولم يَطْرَبْ!

من “مدريد”

أو “أوسلو”

وظلَّ سلامُنا الآتي
رؤىً لقصيدةٍ عصماء… لم تُنْظَمْ
ولم تُكتَبْ.

وحتّى الآن لمْ نتعبْ!

فكيف حمَلْتَ – يا وطنَ العروبةِ –
نِصْفَ قرنٍ من خطايانا،
ولم تغضَبْ؟!
*
وماذا بعدُ عن أخبارها النَّكساتُ
في تاريخ أمّتنا؟
مضَتْ أعوامُنا الخمسون شاحبةً خريفيَّهْ.
ومُتْعَبتةً بماضينا وحاضرنا،
كلَحْنٍ ملَّ من كلماتِ أغنيَّهْ.

مضَتْ أعوامنا الخمسون…
صارتْ دمعةُ المأساةِ
في أحداقنا أكبرْ!

وصار الجُرْحُ في أعماقنا أكبرْ.

على اوراقنا الصَّفراء
شمساً من دمٍ أحمرْ.
ولم نسْأمْ،
ولم نضجَرْ!

وما زالت بنا الآمال مُبحرةً
على بركات ما قالت لنا
الكُتُبُ السَّماويَّهْ.

وما زالت قضيَّتُنا
فصولاً، من كتاب نضالِنا العربيّ،
ضائعةً ومنسيَّهْ!
*
وماذا بعدُ عن أخبارها النَّكساتُ
في تاريخ أمَّتنا؟

سوى ما أتقَنَتْ ترديدَهُ الكلماتُ
والنَّغماتُ…
من شِعْرْ ومنِ نَثْرِ!

أضعْنا حقَّنا العربيَّ؟…
إنَّ الحقَّ لا يُعطى لنا
بمشيئةِ الاقدار والسِّحرِ.

وسِلْمٌ فيه روح العدل… لا يأتي
على أيدٍ تُخَضبُها دماء جرائم العصر.
*
فيا صمتَ العروبةِ… ألفَ عُذْرٍ،
إنْ جعلْنا الموتَ في لبنان لُعبتَنا!

وكان خيارُنا سيفاً جنوبيّاً
نصون به كرامتَنا…
أبيَّاً كالدَّمِ الحُرَّ
نقيّاً كالدَّم الحُرِّ

ولن نُغْضي على جُرْحٍ…
لكي يُبنى لنا وطنٌ
بأمنِ القبّعات الزُّرْقِ والخُضْرِ!
*
فَلَوْ صارتْ قُرانا كلُّها “قانا”.
ولوْ سقطَتْ قنابلهمْ.

فمن “قانا”
سنُبعَث من رمادٍ مرَّةً أخرى،
ونُزهِرُ من دمٍ ودموع أطفال،
ونخرجُ من جفونِ الشَّوْكِ
فوق مسالِكِ الوَعْر!…

فشعبٌ كان من ألقٍ ومن رؤيا،
إذا انكسرتْ مرايا الحُلْم في عينيه
وانهارَتْ على أرض له اغتُصِبَتْ…
تصير الأرض رايتهُ،
وتمشي شمسها معها إلى الثأرِ!

وفي لبنانَ…
أرضٌ عانقَتْ جُرْحاً
بكلٍّ شموسِهِ اتَّحَدَتْ.

وفي لبنانَ
شعبٌ عاشقٌ للأرض…
عاشَ زمانَهُ العربيَّ
من قهرٍ إلى قهرِ.

تقلد عشقَهُ لترابه،
ومضى…
له بوَّابةُ التَّحرير،
أو بوَّابةُ القبرِ!

“أبحثُ في عينيكِ عن وطن”-دار الآداب (2004)