الزواج المبكر صار كارثة

لا يمكن للمرء أن يكمل حياته وحيداً، نحن بحاجة إلى شريك يشاركنا أفراحنا وأحزاننا، ويخفّف من المشاكل التي تعصف في حياتنا، لكنَّ للزواج قواعد ومتطلّبات على الطرفين أن يكونا مستعدين لخوض هذه التجربة، والثبات في وجه المشاكل.

تختلف قاعدة سن الزواج بين رؤية دينية، ورؤية دينية أخرى، وبحسب الطوائف، ففي الإسلام يجب توفر البلوغ لدى الطرّفين، دون تحديد السن، وفي الطوائف المسيحية حُدّد سن الزواج بالـ 15 سنة للفتيات، أمّا اليهود فحدّدوه بالـ 17 سنة، كحد أدنى للفتيات، ويمنع من هم دون الـ17 من الزواج إلا بإذن من المحكمة.

لكن تعدّدت الآراء بين عامّة الشعب حول سن الزواج، فهناك من يفضّل أن يتزوّج عن عمر مبكر، وغيره يفضّل الزواج بعد إقامة بعض التغييرات على وضعه المادّي، لكن الزواج قبل سن الـ 18 موضوع يستحق التمعّن به، والوقوف عنده لفترةٍ أطول عن غيره من الزيجات.

عندما تزوّج أجدادُنا، لم يكن للعلم أية قيمة تذكر، إلاَّ أن الوضع تغيّر عند زواج آبائنا، فبات أهلنا مصرّين على أن الحصول على الشهادات هي من أساسياّت الحياة.

ناشد العلماء بـ (الزواج المبكّر) كونه يحمي الشباب من مشاكل صحّية وجنسية كـ (الأيدز) ويبعدهم عن شبح الميول الجنسية، وبيّنوا أن المتزوّج لديه قدرات كبيرة على الإبداع في مجالات عدّة، مقارنةً بالرجل الأعزب والمتقدّم في السن حيث يكون انطوائياً وعدوانيّاً، لأنَّ الزوجة والعائلة يساعدان على تحسين الحالة النفسية.

لكن الفرق كبير جداً بين الزواج المبكّر وزواج الأطفال، جميعنا يعلم أنَّ كلّ امرىءٍ يمر بسن البلوغ، لكن لكل إنسان فترة بلوغ يختلف بها عن غيره، فهي قد تستغرق من سنتين إلى ست سنوات، تحدث خلال هذه الفترة تغّيرات فيزيولوجيّة وسيكولوجية ترتبط بعوامل وراثيّة وصحّية.

ما هي الأسباب الدافعة للزواج المبكر؟

عندما نطرح هذا السؤال، لا يخطر ببالنا إلاَّ الفقر والعادات والتقاليد، لكنّ الموضوع أبعد من ذلك، الأسباب هي:

– العادات والتقاليد الخاطئة والبالية.

– قلّة الوعي لدى بعض أفراد المجتمع حول مخاطر هذا الزواج، فهو يعرّض حياة ابنته للموت في حال تغيّبت الثقافة الجنسيّة.

– الفقر.

– كبت حريّة التعبير.

– العلاقات غير الشرعية.

يزوّج بعض الأهل بناتهم للتخلص من عبء مصروفهنَّ كـ (التعليم) مثلاً، هذا رغم رخص أسعار نفقات المدارس الحكوميّة، لكن العريس المتقدّم “لقطة” فهذه الـ “لقطة” يكون بعمر والدها أو أكبر، لكنَّه يملك المال عساه أن يعود عليهم بالفائدة.

أي ثمرة ستكون نتيجة هذا النوع من الزواج، فالأم ما زالت طفلة وتحتاج إلى من يعتني بها، تؤخذ دميتها من يدها وتسلب منها حقوقها في التعليم، لتدخل عالماً جديداً يفوق قدراتها وإمكانياتها، تستفيق الضحية بعد أعوام لترى أنها أضاعت أجمل أيام حياتها فتتخبّط في الضياع.

– لا يمكنني نسيان دموع زميلتي، كنّا نعمل في إحدى الفنادق لكن بأقسام مختلفة، أخبرتني أنها متزوجة ومطلّقة منذ خمسة أعوام وهي في الـ 23 من عمرها، لم أصدّق الموضوع بدايةً، لكن تأكدت منه لاحقاً، حيث قام زوج والدتها بتزويجها إلى أحد أصدقائه بعد أن استدان منه مبلغ 50 ألف (ليرة سورية) أي ما يقارب الألف دولار، بقيت في بيت زوجها أقل من شهر، وعادت إلى أحضان أمّها بعد أن تمّت الصفقة.

تفاقمت المشكلة في اليمن أكثر من المعقول حيث أوضحت التقارير أن 8 فتيات يمتنَ يومياً بسبب الزواج والحمل والإنجاب المبكّر، وصل عدد الفتيات اللواتي يتزوجن دون الـ 18 إلى 48%، بات يطلق عليهن عرائس الموت.

– توفيت (ف) وهي في الـ 12 من عمرها، بعد أن توفي مولودها الأوّل، كانت قد تزوجت من شاب عمره 25 سنة، أخرجها والدها من التعليم ليسلّمها للعريس.

– (أ) فتاة يمنية تزوجت في الـ 12من عمرها، هربت من بيت زوجها عائدة إلى أمها، وتمَّ الإتفاق على أن تعود إلى زوجها بعد عامين، إلى أن تدخلت إحدى الجمعيّات المعنيّة بقضايا الأطفال وقامت بتمديد المهلة، على أن تعود إلى زوجها في الـ 17من عمرها.

غالباً ما ينتهي الزواج المبكرّ بالطلاق، لأنَّ الطرفين لا يكونان واعيين بعد في مرحلة الزواج، ومع مرور الزمن بتبيّن لهما أنهما لا يستطيعان تحمّل المسؤولية التي تفوق قدراتهم.

عند القيام بالبحث ومعالجة موضوع (الزواج المبكّر) اكتشفت أن هذه الظاهرة ليست فقط الدول العربية، ففي الهند مثلاً وتحديداً في ولاية راجستان 56% من النساء تزوجن قبل سن الـ 15، و17% قبل العاشرة، والسيّء أن هذه الولاية ما زالت تطبّق إحدى عاداتها السيئة وهي تزويج الأطفال وهم في سنّهم الثاني أو الثالث.

في النيجر 44% من النساء تزوجنَ قبل الخامسة عشر من عمرهنّ، أما في غرب أفريقيا 27% من النساء تزوجنَ قبل التاسعة عشر و20% في شمال البلاد وجنوبها، وغالباً ما تكون الزوجة هي الثانية أو الثالثة.

يختلف الموضوع في الدول الصناعية، ففي الولايات المتّحدة الأمريكية 4% هي نسبة النساء المتزوجات قبل سن الثامنة عشر و10% في المانيا ما عدا دول أوروبا الشرقية ذات الإقتصاد الضعيف كـ البانيا ومقدونيا فهي تعد ضمن فئة الغجر.

– سناء امرأة في منتصف عمرها الثالث تروي قصتها بين الحزن والإطمئنان، تزوجت إبن خالتها عندما كانت في الـ 13 من عمرها وهو في الـ 21، لكن حال سناء أفضل من حال غيرها من النساء، فعلى الرغم من زواجها المبكّر وأطفالها الأربعة استطاعت أن تكفي تعليمها الجامعي، وتوظفت براتب جيّد لتعيل زوجها، فهي اليوم أم لستّة أطفال وموظفة، كانت سعادتها فائقة يوم أخبرها زوجها أنه لن يسمح لبناته بالزواج قبل إنهاء تعليمهن الجامعي.

تقول سناء إن حالها أفضل من زميلاتها الجامعيّات اللواتي يخفن من الـ “عنوسة”، مشكلتها أنها تزوجت طفلة، فهي لا تذكر إلاَّ يوم فرحها عندما نقلت إلى المشفى.

– تزوّجت مها في الثامنة من عمرها، هي يتيمة الأب ولم تتحمّل والدتها أعباء ابنتها، فزوّجتها لرجل في منتصف عقده الثالث، وتزوَّجت الأم بعد إبنتها من شاب يصغرها بكثير، إهتمّت مها بوالدة زوجها المعاقة، على الرغم من الإهانات والشتائم والضرب الذي تلقّته منها، كان زوجها طيّب القلب، فكان واعياً بأنها طفلة، فقام برعايتها ومداراتها، وبقيت عذراء إلى أن توفي بحادث سير فعادت إلى أحضان أمها.

كان زوج الأم مدمناً فقام باغتصابها وأخذت مها مع مرور الزمن تتعاطى المخدّرات، إلى أن انتقلت بعدها إلى الدعارة ليعثر عليها جثّة هامدة وهي بعمر الـ 23 سنة.

للزواج المبكر آثار سلبيّة هي:
– التفكك الأسري والذي يؤدّي بدوره إلى تفكّك المجتمع.
– مخاطر صحية تعود على الفتيات و الأبناء.
– زيادة نسبة الطلاق.
– تنشئة أجيال غير سليمة.
– إنتشار الأمية والجهل.

– نقص في الكفاءات والأيدي العاملة.

– النجمة المتألّقة نوال الزغبي من معارضات الزواج المبكّر، فهي تزوجت بعمر صغير لكن بعد البلوغ، وقالت في تصريحاتها أنها ستمنع ابنتها من الزواج المبكّر في حال فكّرت بالموضوع.

يظن الكثير أن الزواج المبكّر هو حل جذري للمشكلة، لكنه على العكس تماماً لا يزيد الموضوع إلاّ تعقيداً، فالزواج المبكر يدمّر حياة الفتاة ويسرق منها حقوقها بالتعليم والعمل والحريّة، ولا يعود على المجتمع بأي فائدة، على العكس تماماً يزيد بؤس المجتمع وهشاشته، ويشرّد الأطفال وارتفاع نسبة الأمية، هذا إن بقيت العروس الصغيرة على قيد الحياة.

ملكون كرابتيان – قسم التحقيقات