نضال الأحمدية: الصوت العربي نصفه عورَة والنصف الثاني أهبَل!

كثيرون من رجال الدين يحرِّمون غناء المرأة مفسّرين أنّ صوتها «عورَة».

وكثيرة هي المحطات العربية التي لا تذيع أغنياتٍ بأصوات نسائية، لأنّ صوت المرأة «حرام»!

ورغم أنّ صوت المرأة من صنع الله، وموهبتها في حُسن الغناء والأداء هو نعمة من الله، فما زال التحريم ساري المفعول في مواجهة الدراسات العلمية التي تُقام في محافل علمية كبرى ولا تعرف شيئاً عن خبرية «العورَة»، وقد خرجت بنظرياتٍ جديدة عن فوائد الصوت الجميل للمرأة تحديداً، وتفوّقهِ على الصوت الجميل للرجل.
ومنها دراسة بريطانية أثبتَت أنّ شتلة البندورة تنمو خمس مرات أكثر، حين تتحدّث إليها امرأةٌ صاحبةُ صوتٍ جميل.

شتلة البندورة ليست إلا نموذجاً عن كلّ الشتول والنباتات التي تستفيد من صوت المرأة، فتزداد عافيةً إن سمعت صوتاً نسائياً يحدِّثها، أو سمعَتْهُ عبر المذياع غناءً.
وكانت نشرت صحيفة الـDaily telegraph أنّ علماءً عملوا على هذه الدراسة لأشهر طويلة، ولم يكشفوا عن كلّ النتائج التي توصّلوا إليها، لأنهم يرغبون بتقديم النتائج لجهاتٍ تُحسِن توظيف جهودهم، لمقاصد إنسانية وعلمية وطبيعية رفيعة المستوى.

وكنتُ دائماً أعرفُ أهمية فوائد الصوت الجميل، لكنّ الدراسة حمّسَتني، فسارعتُ إلى نبتَتَين أهدتني إياهما الصديقة الفنانة أمل حجازي، وهما من النوع الذي يموت بسرعة، وكانت قالت، وهي تقدِّمهما لي:

هاتان النبتتان إن عاشتا في بيتكِ، فإنهما ستجلبان لك السعد، وستقلّ معاناتك، وقالت: قولي آيات من القرآن الكريم، قبل أن ترويهما.
لكن أمل لم تقلْ لي ما أعرفه، وهو أن أُسمِعهما موسيقى موزار، وتحديداً (سوناتا ١) و(سوناتا ٢) اللتين أستمعُ إليهما، كلما شعرتُ بتوعّكٍ نفسي أو صحّي.
ولأني أردتُ (السوناتَتَين) على CD كي أوزِّع صوت الموسيقى من خلال جهاز الـSound System في مكاتبنا، ليُطلق الصوت إلى كل المكاتب وملحقاتها، فسارعتُ أتصلُ بالـ Virgin/بيروت وبعد طول حوارٍ مع مسؤول المكتبة الموسيقية، أكَّدَ لي أنّ موزار (سوناتا ١) و(سوناتا ٢) غير متوفِّرتين!
وحتى الآن لا أملك الـ CD بانتظار سفرٍ إلى بلاد «فيرجِنها غير فيرجِننا»، لكني اجتهدتُ منذ ما يُقارب العام على تنفيذ وصية أمل، فأتسلَّل إلى غرفة «العروستَين النبتتين» أجالسهما وأحكي معهما، فأشكو أحياناً من الظلم ومن «البلطجية» و«الشبّيحة» المدعومين من القيادات الحاكِمة منذ أكثر من ٤٢ سنة في لبنان!
وفي الغالب، أبشِّر نبتَتي بالخير واعدةً إياهما أنّ الرؤوس الظالمة ستنحني لتقبِّل أحذية كل الذين سرقوهم، واعتدوا على كراماتهم، وقتلوا أهاليهم، وانتهكوا أعراض نسائهم.
ثم أقولُ آيات على الماء، وأقطِّر فوق أوراق النبتَتَين، وأحياناً وليس دائماً أتعمَّدُ في أوقات الفجر أن أُكثِر من الصلاة على الماء، فأغسل وجهي به، متوسِّلةً ربي أن يمنحهما طول العمر والقامة.
وحدثَ المستحيل..
عاشت النبتتان منذ عام، وهما بخير.
تعمّدتُ دائماً أن لا أشير إلى إنجازي هذا أمام زملائي وأصدقائي من الزوّار الدائمين، وهم أيضاً لم ينتبهوا إلى نبتَتي اللتين تضُجّان بالحياة، رغم أنّ ذلك كان مستحيلاً!
ورغم أنّ النبتتَين أمام أعين الجميع ومنظرهما لافتٌ، لكني لم أسمع تعليقاً، ربما لأنّ المشهد الإيجابي لا يستفزّ، وربما لأنّ المديح ما عاد من مفرداتنا، وما عاد ذكر الله وفضله من يومياتنا.
وأنا أكتب هذه السطور التي سيقرأونها، أشعرُ أن عيونهم لا تشغلها هذه القضية التي يعتقدونها تافهة، وهذا يوجعني، ليس لأن المسألة شخصية، بل لأنه حال الإنسان في العالم الذي أصبح يتنكّر لكلّ القُدرات السرّية عند الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، ومنها هذا السرّ في صوت المرأة، والذي يصنع العجائب.
شقيقي طليع في أشهره الأولى كان لا يكفّ عن البكاء ليلاً نهاراً، وبعد أن أكَّدَ كل أطباء لبنان لوالدَيْ أن لا مشكلة صحّية يعانيها، استسلم أهلي، وصارت أمي تقع في ردود فعلٍ لمعاناتها من بكائه غير المبرَّر طبياً، وكنتُ أصل من المدرسة أضعه في حضني، وأغنّي له بهمسٍ، فيغفو بين يدي، أضعه في سريره وأجلس إلى جانبه مع كُتبي أحضِّر فروضي، وحين يستفيقُ باكياً، كنت أعاجل لأضع شفتَيّ على أذنه من جديد، وأهمسُ غناءً فيهدأ ثم يضحك، ويرضع «البيبروني» ويعود إلى النوم هنيئاً. واصلتُ مع شقيقي الأصغر أشهر طويلة على ذات المنوال (ليس لأني كنتُ أفهم في علم الصوت، بل لأنّه كان الحلّ الوحيد لإنقاذ العائلة، ولعونِ أمي) وبدأ يتوقّف طليع عن البكاء تدريجياً، إلى أن اختفَت المشكلة نهائياً. وحتى الآن ما سمعتُ أحداً من العائلة يذكر الأمر أو يحاول تحليله أو أقلّه يتساءَل!
نحن شعب لا يريد أن يعرف بأنّ الصوت يشفي، وأنه نعمة تبني وتُسعِد وتُعافي، ربما لأنّ الصوت العربي نصفه في نسائه «عورَة»، والنصف الثاني في رجاله «أهبل»!

هذه المقالة كتبتها سنة 2009

نضال الأحمدية Nidal Al Ahmadieh