النجمة وثلاجتها الفارغة وأمها المريضة وكيف جلدتها وماذا حدث

في حكايةٍ غريبةٍ من نوعها، وقفَت النجمة الشهيرة محبطة أمام رفاقها الذين تثق بهم، وأقسمَت أنها لا تملك فلساً لتجلب وجبة العشاء لأخواتها هذا المساء، وكانت أمّها في السرير تعاني الألمين من مرضين.

والنجمة الشهيرة والجميلة غير قادرة على تأمين العلاج اللائق لوالدتها.

ولشدّة تأثّرها وهي تروي ما يحدث لها من افتراءات من أولاد بلدها، وما يتخيّلونه عنها ويبثونه من أخبار السوء، وتأويلهم لأخبار تسيء لكرامتها، أمسَكَت بيد أحد الضيوف الجالسين وهو أقربهم إليها، وأدخلته المطبخ، وفتَحَت له الثلاجة، التي بدت فارغة من أي طبقٍ يحوي لقمة تسدّ بها جوع البطون الجائعة، إلا من ظلم الناس.

فقط، وُجِدَ في الثلاجة بعض أحجار الفحم التي نضعها عادة لتُبْقي رائحة الثلاجة طيّبة. وبكت، ليس فقط للوضع المأساوي الذي تعانيه، بل أيضاً من الظلم الكريه الذي يرشقها به الناس، وهو أنها وأخواتها البنات يمشين في طريق مشبوه، أي أنهنّ يرتدن ليال السهر، ويمارسن الحرام، فيتقاضين مبالغ من روّاد السهر مقابل ليال حمراء.

وما شوهد في بيت المطربة العربية النجمة، ينفي عنها وعن أمّها وأخواتها، كل التهم الباطلة المغايرة لواقع الحال المأساوي، بل ويحكي قصة مغايرة تماماً لما يُحاك حولها من التكبّر مثلاً، والغطرسة التي تمارسها بحقّ أعيان دولتها ورفاقها من كبار المطربين، الذين سبقوها في الغناء، لكنهم ليسوا بمستوى نجوميتها عربياً.

ففي إحدى المرّات، اتصل المطرب الكبير بالنجمة، وقال لها:

– عليكِ أن تكوني جاهزة خلال ساعة واحدة لتشاركي في الحفل الكبير في القصر الفلاني أمام رئيسنا.

اختنَقَت المجمة على الهاتف، واضطرّت مجبرةً أن تقول متلعثمة:

– ساعة واحدة؟! لا يمكنني أن أكون جاهزة!

غضب المطرب منها، واعتبرَها متعالية ومدّعية. فكيف ترفض أن تتواجد في مثل هذا الحفل لجلالة الريّس، وأن تشارك فيه احتراماً لطلبه الشخصي، خصوصاً وأنّ مشاركتها ستجلب لها الحظوظ، ومنها رضا رئيسها، وهي بالتالي ستقبض المبلغ الذي سيُعينها على الانطلاق!

وكان المطرب الكبير قد روى لي هذه الحادثة منذ سنتين، وأذكرُ أني أجبتُه بأنّ هذه المطربة «ملطوشة» بعقلها، وأنها تعاني من الـEgo المرضي، دون أن أفكّر لحظة من تبيّن الحقيقة، لأنّ تصرّفها في العادي، وطريقة تقديم نفسها، تجعل أي خبر يلبسها، ويليق بها.

(ودون أن أحلّل أن بعض هذه الحالات تتصّرف على هذا النحو كخطّة دفاعية عما هنّ عليه بالسرّ). تابعتُ أقول لصديقي المطرب الكبير:

– ليس بإمكانها أن تردّ عليك بهذه الطريقة، عيب يا رجل هي مصابة بجنون العظمة!

ولم أعطِ نفسي تلك المرّة أي مساحة لمبرِّرٍ لتصرّفها، إذ كيف ترفض المشاركة في حفل كبير في القصر مع زملائها، لأنهم اتصلوا بها قبل ساعة فقط.

ومنذ يومين.. وبعد كل ما عرفتُ من حقائق، أشعلتُ رؤوس أصابعي لأني كتبت ضدّها ولم أرحمها. رفعت سمّاعة الهاتف، وسألتُها:

– أتذكرين حين اتصل بكِ المطرب الفلاني، ودعاكِ للغناء أمام الريّس ورفضتِ؟ أجابت:

– لا لم يحدث ذلك، وأنتِ كيف عرفتِ مدام؟

وطلبتُ منها بحبٍّ كبير أن تخبرني عن سبب رفضها المشاركة آنذاك، وأفهمتُها أني عرفت كل شيء عن وضعها المأساوي شارحةً تفاصيل إضافية، فبكت.

قالت النجمة: أرجوك لا تنشري شيئاً مما عرفتِه. وقلت:

لكن أن يعرفوا إنّك فقيرة، خير من أن يعتقدوا أن شقيقاتك يمشين في ظلام الليل على طريق البغاء! ولم أجد في صوتها أي مفاجأة لما سمعته مني، بل قالت:

– أعرف أنهم يقولون عنا هذا الكلام، ولا أكذب عليك في الحقيقة إن أخواتي يخرجن للسهر مثلهن مثل كل البنات، وإني لا أمنعهن، ولو في الشهر مرّة لأن ظروفنا تمنعهن من كل أطايب الحياة. هن لا يملكن شيئاً يشعرهن أنهن مثل رفيقاتهن بالحقوق، وأنا لم أنجح حتى الآن في أن أؤمن لهن حياة لائقة.. وكل ما تفعله شقيقاتي أنهن يقبلن دعوات رفيقاتهن، ويخرجن فيسهرن، ويعدن إلى البيت كما كل البنات الشابات، وكما أفعل أنا، لو لم يكن حالي كما تعرفينه.. وأخواتي لا يخرجن عن التقاليد.. هنا الجميع يسهر! عدت أسألها عن حكاية دعوة المطرب لها للمشاركة في حفل “الريّس” الذي لم تلبّها، تنهّدت وقالت: – – “هذا حصل فعلاً، وكنت تلقيت اتصال المطرب الصديق، الذي قال لي حضّري نفسك خلال ساعة، يجب أن تكوني جاهزة للغناء أمام “ريّسنا” في حفل يجتمع فيها الفنانون.. فارتبكت وأجبت أني أحتاج لأكثر من ساعة، فرفض المطرب وقال:

– “ساعة واحدة، وتكونين جاهزة”. لم أتمكّن أن أنذل، وأحكي له الحقيقة.

* وماذا كانت الحقيقة؟

– لا أريد أن أفضح أسرار بيتنا. قلتُ لها:

* أعرف أن ثلاجتكم فارغة، وأنكم تعانون من العوز الشديد، وأن ما تظهرين عليه هو غير الحقيقة التي تعيشينها، وأعرف أنك غير قادرة على تأمين الإستشفاء لوالدتك بما يليق بإسمك، وأنت نجمة كبيرة خصوصاً في بلدك. إحكِ لي الحقيقة لأعرفها، ولن أذكر اسمك حتى لا يبقى حالي مثل الآخرين معتقدةً أنك متغطرسة، ومريضة بالأنا!

بكت النجمة وانتظرتُها حتى خف نشيج صوتها المخنوق، وقالت:

– طالما عرفتِ كل شيء تقريباً صار بإمكاني أن أخبرك الحقيقة. ذاك اليوم قبل سنتين، اتصل صديقي المطرب، وقال لي:

– “حضري نفسك بسرعة، وتعرفين باقي الخبرية”. لم أذهب ليس لأني متغطرسة (يعود صوتها للتقطّع، وكاد يختنق) ثم تابعت:

– أنتِ تعرفين أن الوقوف في هذا المكان، يحتاج إلى كامل عدّة الزينة لصبية مثلي، ثم أن مثل هاته المناسبات تحتاج إلى تحضيرات ليوم كامل. أنتِ سيدة وتفهمينني. كي أحضر الفستان والإكسسوارات والكوافير والماكيور/ فالأمر يحتاج جهداً ووقتاً ومالاً، وكلّه كان مفقوداً، ولا يزال.. حتى أني لم أكن أملك الفستان الذي يليق بتلك المناسبة. وفرضاً، إن قلتِ لي يا ست نضال، لا داعي للفستان كان بإمكانك أن ترتدي أي شيء، فإن تسريحة شعري والماكياج يحتاجان لساعة من الوقت، وأنتِ سيدة وتعرفين ما أقوله جيداً.. وأكثر من ذلك، فإني متأكدة الآن، أني كنت قد رتّبت الأمور، ونفّذت الطلب/ الأمر، لولا كنت في جوٍ نفسيٍ أو في محيط يُعينني على تدبّر الأمور.. لكن كنت في أسوأ حالاتي النفسية، وفي مثل هذا الحال، تصير الأمور معقّدة يصعب حلّها. وتابعت:

– ” أنا لست متكبرة، أنا فقيرة بالسر، ويصعب عليّ أن أسلك درباً، لا أخفي عليك أني تحت الرجم حاولتها، لكني فشلت، ووجدت نفسي خائفة بل مرتعبة.. وتابعت:

– “اسمعيني جيداً، أنا لا أدّعي العفة، وأنا لست ست الأخلاق، وكل البنات خير من رقبتي، لكن يا ست نضال، الفجور موهبة مثل الغناء والرسم وغيرها من الفنون التي نوهبها، فنصقلها كي نصير شأناً بها.. وأنا لم أفشل إلا لأني غير موهوبة بالفجور، وأكثر فلأني أخاف، ولست أخاف الناس، لأنهم لن يعرفوا، بل أرتجف كلما فكرت بهذا الحل، الذي يمكن أن يخلّصني مما أنا عليه.

* هل جرّبت فعلاً؟

– نعم ، وأنت رأيتني، وأزحتِ عينيك كي لا تحرجيني في الـ Blue Nile في مصر. ومذاك أتابع مجلّتك أسبوعياً، وأعرف أنك ستّرت علي، ستركِ الله. وأقسم أني لم أفعل أكثر من أني جلست إلى طاولة الرجل، وانصرفت، ولم يعد يسمع صوتي إلا في الراديو، وعلى الشاشات، فيُرسل لي الرسائل ولا أرد.

* سأكتب الحكاية.

– الرحمة!

* سأكتب أنك ضحية، وسأروي الحقيقة لأرفع الظلم عنك.. أعطني الأمان يا بنت البداوة!

– عليكِ الأمان.. ولكِ دعوات أمي المريضة. أتوسل إليكِ أن تكتبي، لكن أتوسل إليكِ أن لا تذكري اسمي، أريد أن أعيش نظيفة. ساعديني كي أفي بوعدي وأبقى على عهدي.

نضال الأحمدية – Nidal Al Ahmadieh