كل شيء عن مدينة صور التاريخية

صور من أهم المدن الساحلية في العالم.. اشتهرت بمقاومتها للزاحفين والمحتلين.. وبتصديرها للأبجدية..

صور مدينة تاريخية، ساحلية في الجنوب اللبناني، تمتد من مجرى الليطاني شمالاً، حتى الحدود الدولية جنوباً، بعمق يتراوح بين 15 و 20 كيلومتر، يحدها من الشمال قضاء صيدا- الزهراني ومن الشرق قضاء بنت جبيل، ومن الجنوب الحدود الدولية مع فلسطين المحتلة.

تبعد عن العاصمة بيروت 83 كيلومتراً تقريباً، ترتفع 10 أمتار عن سطح البحر، ضمتها منظمة الاونيسكو على لائحة التراث العالمي، سنة 1997.

على خاصرة صور السياحية، يمتد شريط ساحلي، عُمْقُهُ سهلٌ زراعيٌ خصب، تنتشر فيه بساتين الحمضيات والموز.

أما في تفاصيل تضاريسها الجغرافية الأخرى، فهي تقع بين صيدا وبنت جبيل وفلسطين المحتلة.

في التاريخ، صور متجذّرة ولها أياديها الخيّرة على حضارات العالم.. عمرها في الموثّق من الأبحاث يزيد على خمسة آلاف عام، إذ يرجع تاريخ تأسيسها الى الألف الثالث قبل الميلاد..

يمكن تقسيم آثار صور القديمة الى ثلاثة أقسام:

صور البحرية ويشتمل على مجمعات لأحياء السكنية والحمامات العامة والمجمعات الرياضية والشوارع ذات الأروقة بالأرضية المرصوفة بالفسيفساء.

وتعود تلك المنشآت بمجملها إلى المرحلتين الرومانية والبيزنطية، إضافة الى بقايا أرصفة المرفأ الفينيقي الجنوبي، أو المرفأ المصري، التي ما تزال منتشرة قرب الشاطئ.

القسم الثاني وفيه بقايا كاتدرائية صور الصليبية التي استخدمت في عمارتها اعمدة من الغرانيت الاحمر واحجار تم استخراجها من المنشآت الرومانية..

تنتشر حول المكان، وعلى مستويات ادنى منها، شبكة طرقات ومساكن تعود الى العصور الرومانية والبيزنطية.

القسم الثالث يتألف من شارع رئيسٍ يتجه من الشرق إلى الغرب ويصل المدينة بضاحيتها الشرقية، تمّ رصفه في العصر الروماني، ورُمِّمَ في العصر البيزنطي، وسط البرزخ الذي أنشأه الاسكندر الكبير. وتحيطُ الأروقة بجانبي الشارع ويقطعه قوس نصر عظيم بمداخل ثلاثة، وتجري على جانبه الجنوبي قناة معلقة على قناطر كانت معدة لجر مياه نبع رأس العين إلى المدينة.

على جانبي الشارع تمتد جبانة واسعة سميت بمدينة الأموات وهي الأكبر في العالم، تتداخل فيها العمائر الجنائزية والتوابيت الرخامية والكلسية والبازالتية ذات الاشكال والزخارف والمنحوتات المختلفة، وقد دامت فترة استخدام هذه الجبانة من القرن الثاني إلى القرن السادس بعد الميلاد.

والى الجهة الجنوبية منها، جانب كبير من ميدان سباق عربات الخيل لا يزال قائماً وقد رممت بعض اجزائه. طول هذا الميدان أربعة مئة وثمانين مترا ً كان يتسع لنحو عشرين ألفاً من المشاهدين الذين كانوا يراهنون على المتبارين. كانت المباراة أن يدور اللاعبون بعرباتهم سبع مرات حول الشوكة التي تتوسط الميدان.

لا بد لزائر صور أن يجول في اسواقها القديمة، ليتأمل جمال خانٍ من العهد العثماني، ومنزل قديم وجميل من العصر ذاته تملكه إحدى أسر صور العريقة من آلـ المملوك، إضافة إلى مسجد رائع ذي القبتين والعمارة المميزة.

على مقربة من السوق، يعج مرفأ الصيد القديم بالحياة، وقد حل محل المرفا الفينيقي الشمالي، الذي كان يعرف بسبب موقعه بالمرفا الصيدوني.

ويقود الطريق الملازم للرصيف حيث لا يمكن إلا التنبه لبرج مراقبة من العصر الصليبي في أحد البساتين، إضافة الى برج آخر من العصر الصليبي أيضاً على مقربة من المنارة، يشهدان على أهمية صور في كل زمان.

مواقع صور الأثرية تفتح أبوابها لمحبيها، كما أن مطاعم المدينة تستقبلهم لتقدم لهم أشهى ثمار البحر ومنوعات من خيرات الأطباق المحلية إضافة الى المقاهي المنتشرة على طول أرصفة الميناء..

يرجع تاريخ تأسيس مدينة صور الى بدايات الألف الثالث قبل الميلاد. عاشت المدينة الجميلة عصرها الذهبي مع حلول الألف الأول قبل الميلاد.. أي قبل ما يزيد على 3000 سنة..

في تلك الحقبة من عمرها عبر الزمن.. تمكن أحيرام ملك صور وبكثير من الطموح والحنكة والتخطيط للمستقبل، من إنجاز مشاريع عمرانية استبق بها عصره، إذ تمكن مهندسوه وبناؤوه من تنفيذ رغبته في توسيع مساحة المدينة، التي كانت تتبعها جزيرة بحرية.. عندما ردموا البحر وصلوا بذلك الجزء البري بالمائي منها.. وهكذا كان توسعت صور.. وأصبحت أكبر..

لكن ليس أكبر من حلم بحارتها وتجارها الذين ركبوا غمار البحر المفتوح أمام أعينهم وأحلامهم.. وصلت مراكبهم ةتجارتهم الى شواطىء البحر المتوسط كله وابتعدوا أكثر الى سواحل المحيط الأطلسي، وتمكنوا بخبرتهم وتفتّح أذهانهم وطموحهم اللامحدود.. من تأسيس مستعمرات ومحطات تجارية، من بينها قرطاجة وذلك في حدود العام ثمانمئة وخمسة عشر قبل الميلاد..

ازدهرت صور وذاع صيتُها في العالم أجمع، وتمكن بحّارتها من نشر ثقافتها وحضارتها أينما رست سفنهم..

يعود لصور الفضل في إيصال الابجدية الفينقية الى الإغريق.. عبر الممرات البحرية التي عبروها، نقلوا قصص ملوكهم ودونوها بحرفهم المبتكر الذي صاغوه بأحرف الابجدية الفينيقية..

أم الأبجديات الحية اليوم في العالم.. ها هي حكايات قدموس ابن ملك المدينة.. بل أساطيره تدوّن وتحكى ويتناقلها الناس في كل مكان.. عن قدموس ابن فنقيس ملك فينيقيا والذي راح يبحث عن أخته اوروبا التي خطفها زوس اله اليونان الى بلاده بعد أن شغف بحبها فثناه أحد كهنة اليونان عن بحثه..

ونصحه أن يتبع بقرة سيلتقيها وحيث تضطجع البقرة أن يبنيَ مدينةً فكانت مدينةُ طيبة..

وينسب الى قدموس ابن ملك صور اختراع الكتابة في العام 1600 قبل الميلاد.

في العام 1991 تم اكتشاف مجموعة من الآثار مثل الجرار الجنائزية والأنصاب والمجوهرات المختلفة وذلك في مقبرة المدينة الفينيقية وهي موجودة حالياً في خزائن المصرف المركزي بانتظار ترتيب عرضها في أحد أجنحة المتحف الوطني..

كان لازهار وتألق صور بين المدن ثمنٌ كبير.. جعلاها مطمعاً للملوك والحكام الطامعين..

في القرن السادس قبل الميلاد، حاول الملك البابلي نبوخذ نصّر احتلالَ المدينة.. إلا أن أسوارها المنيعة حالت دون ذلك.. فأمر بمحاصرتها ليستمر الحصار ثلاث عشرة سنة..

في العام 323 قبل الميلاد، حاصر الاسكندرُ الكبير مدينةَ صور لمدة سبعة أشهر، لأنها لم تخضع له كما فعلت المدن الفينيقية الأخرى. ويحكي التاريخ كيف أن الغيظ تملّكَ الاسكندرَ من مقاومةِ صور العنيدة، فأمر بتدمير نصف المدينة البحرية وقتْلِ رجالها وسبي نسائها وأطفالها..

بعد ثلاثة قرون، تمكن الرومانُ من فرض سيطرتهم على المدن الفينيقية.. ومن بينها صور التي أبت رغم السيطرة الرومانية إلا أن تكون لها إدارتُها الذاتية وصكّت العملات الخاصة بها، من فضية وبرونزية.. وعرفت نهضة عمرانية هامة..

مع عهد السيد المسيح عليه السلام، عرفت صور الديانة الجديدة وتبعت تعاليم المسيح.

خلال العصر البيزنطي، ازدهرت صور عمرانياً وقد تمظهر ذلك في أبنيتها ومدافنها وفي كتاباتها.. وحظي أسقفها مركز الرئاسة بين السقفيات المدن الفينيقية.

في العام 634 م. دخلت جيوش المسلمين صور دون مقاومة تذكر، فأكملت المدينة ازدهارها في ظل الخلفاء الأمويين والعباسيين..

عصت صور لعشر سنوات على محاولات الصليبيين احتلالها.. وذلك بسبب أسوارها المنيعة التي شكّلت خط دفاع حقيقي عنها.. لكن في العام 1224م. كانت صور آخر مدينة ساحلية تمكن منها الصليبيون وبقيت تحت سيطرتهم حتى العام 1291م. موعد استيلاء المماليك عليها..

في بدايات القرن السادس عشر، اصبحت صور في قبضة الدولة العثمانية كغيرها من مدن المنطقة.. وبقيت كذلك الى أن ولدت دولة لبنان الكبير غداة الحرب العالمية الاولى..

صور تاريخ عظيم في الحضارة.. منها كانت العولمة الأولى بوجهها الانفتاحي الجميل، حين نقلت الأحرف الابجدية الى العالم وأمّنت التواصل الحضاري والتجاري بين الشعوب، هذا ما تقوله أرضها..

أما بحرها فيضم مدينة غارقة.. في قاعه آثار ثمينة موجودة من مئات السنين.. وقد أنعم الله تعالى عليها بظاهرتين خاصتين: ظاهرة المياة الحلوة في قاع بحرها وظاهرة المياه الكبريتية..

ولهذا وذاك أحاديث ومشاوير سياحية اخرى..

والى اللقاء مع معلم سياحي جديد يحمل في ذاكرته بعضاً من التاريخ..

حنان فضل الله – بيروت