د. ليا صوايا: الجسد يتذكر المآسي بالتواريخ

ليا صوايا
ليا صوايا
  • ما هو إضطراب ما بعد الصدمة؟
  • هناك أعراض قد تظهر في الذكرى السنوية لتعرُّض الشخص للصدمة
  • قد يعبِّر عن حزنه العميق عبر التمادي بالصمت أو بالصراخ
  • يحمِّل المصاب نفسه مسؤولية تعرّضه للحادث ويفكّر بالإنتحار
  • وبعض المصابين يميلون إلى الحديث المتواصل عن الصدمة

لأني في كل عام ومع حلول شهر حزيران/يونيو أصاب بحزن وخوف كبيرين (لأسباب أعتذر عن ذكرها مؤقتاً) وفي تموز/يوليو أصاب بآلام نفسية وجسدية وأفقد بعضاً من توازني الجسدي ذلك أني تعرضت لمحاولة قتل بشعة في ٢٤ يوليو 2002 وفي الـ 2006 وبفارق يوم واحد استُشهدت رفيقتنا في الجرس ليال نجيب في الجنوب، قتلها العدو الجبان وكانت تقوم بمهمتها كمصورة..
وعرفت بعدها من خلال قراءاتي أن الجسد يتذكر..

يصعب علينا أحياناً تجنّب ما نتعرّض له من مواقف وحوادث خلال يومياتنا، وإن لم نكن مسؤولين حقاً عما يحدُث لنا، لكن ماذا لو تحوّل هذا الحادث من مجرد حادثٍ عابر، إلى صدمة تقبع في ذاكرة الشخص؟

ليا صوايا حصلت على ماجيستير من جامعة الروح القدس/الكسليك كأخصائية في علم النفس العيادي، وديبلوم في المعالجة النفسية المعرفية السلوكية من جامعة الشقديس يوسف/بيروت، وتدرَّجت في قسمٍ في مستشفى Sainte Anne في باريس لمعالجة مرضى إضطرابات الأكل مثل الــAnorexia والBulimia والمدمنين على المخدرات، وتعمل حالياً في لبنان، في مركزٍ يُعنى بتأهيل المدمنين على الكحول والمخدّرات. سألت ليا:


* ماذا لو لم تكن النفس مُهيّأة لاستيعاب ومواجهة الحوادث، فهل من تداعيات أو آثار على الشخصية، أي ما يسمّى بمرض الإضطراب ما بعد الصدمة، الذي نسمع به؟
– يتمّ تشخيص حالة (إضطراب ما بعد الصدمة) عندما يتعرّض الشخص لحادث أو موقفٍ مؤثّر جداً، مما يولِّد لديه سلسلة من الأعراض، التي قد تستمرُّ لشهر أو أكثر.
* هل لديكِ أمثلة على هذه الحوادث؟
– نذكر من الحوادث التي يُمكن أن تشكّل صدمة ومن ثمّ اضطراباً نفسياً: تعرُّض الشخص لحادث سقوط طائرة أو لزلزال، ونجاته بشكل عجائبي، حادث سيارة مروع، الموت المفاجىء لشخص عزيز، الإغتصاب، الحروب، مشاهدة أشلاء الجُثث، تعرُّضه لمحاولة قتل أو سرقة، إلخ.
* ما الأعراض التي تظهر على من يعاني (إضطراب ما بعد الصدمة)؟
– يعاني الشخص المصاب من الأعراض التالي:
أ- إسترجاع واقعة الحدث الذي سبَّب الصدمة من خلال كوابيس ليلية، وردّات فعل عاطفية وجسدية مبالغ فيها، على الأشياء التي تُذكِّره بالحادث.
ب- القلق المفرط الذي يؤدّي إلى صعوبات في النوم أو العكس، النوم لساعات طويلة وبشكل متواصل، إضافة إلى الشعور الدائم بالخطر في أي مكان، وليس فقط في الأماكن التي ارتبطت بحدوث الصدمة.
ج- إنفجارات غضب مفاجئة، وصعوبة في التركيز، والمبالغة في ردّات الفعل، كتغطية العينَين مثلاً عند رؤية مشهد مزعج.
د- الحذر الشديد الذي يتجلّى من خلال تجنّب الشخص للأماكن التي تذكِّره بالمواقف التي رافقت تعرُّضه للصدمة.
ه- تجنّب الحديث عن الموضوع، وعدم الرغبة في عمل أي شيء في الحياة، والشعور بأنّ الجسم مخدّر.
* ذكرتِ الأعراض النفسية التي يشعر بها المصاب، فهل من أعراض جسدية مباشرة، وما هي؟
– نعم أذكر منها: الإعياء الشديد، صعوبات في التنفّس، تسارع في دقّات قلب، الغثيان، الهزال، وآلام في الرأس أو الرقبة أو الظَهر.
* هل يمكنكِ تحديد المضاعفات التي ترافق إضطراب ما بعد الصدمة؟
– من هذه المضاعفات، أذكر:
أ- الإكتئاب: في معظم الأحيان، يتعرّض المصاب للإكتئاب، فيتكوّن لديه الشعور بعدم الرغبة في ممارسة الأعمال، التي كانت تشكِّل مصدر متعة له فيما مضى.
ب- الإنتحار: قد يحمِّل المصاب نفسه مسؤولية تعرّضه للحادث، والأخطر في ذلك بلوغه مرحلة التفكير بالإنتحار.
ج- العنف الشديد: من أجل التخفيف من حدّة الألم، قد يعمد المصاب سواء بوعي أو بغير وعي لإيذاء نفسه بشتّى الطرق، وقد يلجأ لتناول الكحول والمخدّرات.
د- الغضب: المصاب بصدمة يثور لأسباب تافهة وتجاه أي موقف، فيكون غضبه في هذه الحالة موجّهاً أساساً للحادث الذي مرَّ به.
ه- عدم قدرة السيطرة على نفسه في حالة البكاء: قد يعبِّر المصاب بالصدمة عن حزنه العميق عبر التمادي بالصمت، أو بالصراخ، أو بالبكاء المتواصل لفترات طويلة.
و- الإنزواء: أحيانا كثيرة يُصبح الإنزواء سلوكاً يومياً يطال كافة جوانب حياة المُصاب، وقد تزداد حدّة هذا السلوك لدرجة حبس نفسِه في المنزل.
* ذكرتِ الإضطرابات التي تظهر عقب التعرّض للصدمة، ولكن هل من أعراض تظهر على المدى البعيد؟
– يُخطىء البعض عندما يظنّون بأنّ الأعراض تظهر فقط مباشرة بعد الحادث، إذ هناك أعراض قد تظهر في الذكرى السنوية لتعرُّض الشخص للصدمة، أو ربما عند تعرُّضه لحادث أو موقف مشابه للحادث المسبِّب للصدمة.
* لماذا تمتدّ تأثيرات الإضطرابات إلى المدى البعيد؟
– للأسف، لا يبحث المصابون بالإضطرابات عن المساعدة عادةً، بل يميلون إلى تجنّب التعامل مع المشاعر السلبية، ولعلّ الإنزواء والعنف الشديد وفقدان الثقة من أهم الأعراض التي تؤخِّر عملية التعافي، وعلى المصاب أن يدرك أنه يحتاج للعلاج، وأنّ العلاج ممكنٌ.
* ينصح الأقارب قريبهم المصاب بأن ينسى ما حدث، وأن يعود إلى حياته الإعتيادية، فهل من تأثير إيجابي لذلك على نفسية المُصاب؟
– أفهم النوايا الحسنة وراء هذه النصيحة، لكن لسوء الحظ ربما تُساهم في زيادة الوضع سوءاً، إذ يمكن أن لا يقع النسيان بالفعل، بل مجرد التناسي والطمس المرحلي للألم. وأذكر بأنّ بعض المصابين يميلون إلى الحديث المتواصل عن الصدمة، فينفرُ منهم الأصدقاء، وهذا ما يسبِّب لهم مزيداً من العُزلة.
* وقد يميلون للصمت؟
– صحيح، وفي الحالتَين توفير المساحة الكاملة للمصاب وعدم الضغط عليه، مهمٌ جداً في العلاج.
* بماذا تنصحين المقرّبين من المصاب؟
– عليهم أولا تقديم الدعم له، وإقناعه بضرورة الإستعانة بأهل الإختصاص.
* ما هي التقنيات المتّبعة في العلاج المعرفي السلوكي لإضطراب ما بعد الصدمة؟
أ-توفير المعلومات: إنّ أولى الجلسات ترتكز على توفير المعلومات للمصاب من خلال التربية النفسية أو ما يعرف بالـpsychoeducation فمثلاً يتمّ تعريف الشخص على ردّات الفعل النفسية والجسدية، التي يُمكن أن تُرافق الإضطراب. أحياناً كثيرة، لا يفهم المصاب ما يشعر به، بل يعتقد أنه من غير الطبيعي الإحساس بهكذا أعراضٍ، ومن خلال جلسات الـpsychoeducation يتعرّف المصاب على ما يشعر به، وما يساعده على تخفيف أعراض الإصابة.
ب- تقنيات التنفّس البطني: وهي من أكثر التقنيات المستعملة للحدّ من القلق، بحيث يتعلّم المصاب الإسترخاء، وكيف يسيطر ويتحكّم بقلقه.

ج- التصحيح المعرفي: يتعلّم المصاب كيفية تصحيح الأفكار الإشكالية لديه أي المسبِّبة للإحباط والإكتئاب، إلخ. وبهذه التقنية، يصبح المصاب أكثر قدرةً على التحكّم بمشاعره، وهنا أيضاً يتعلّم استراتيجياتٍ لتعديل أفكاره السلبية، واستبدالها بأفكارٍ أكثر إيجابية.
د- تقنية حلّ المشاكل: وتتضمّن سبع مراحل تنطلق أولاً من تحديد المشكلة، إلى إيجاد الحلول، وتقييم سيئات وحسنات كل حلّ، اختيار الحلول التي ستُعتمَد، تقييم النتائج، ومن ثم تعديل الحلّ أو اختيار غيره.
ه- التعرُّض التدريجي: الهدف من هذه التقنية التخفيف من الأفكار السلبية المهيمِنة على عقل المصاب كالـFlash back والكوابيس. وهكذا، عندما يتعرَّض المصاب للقلق، شيئاً فشيئاً يتعوَّد الجسم على عدم الإنفعال بطريقة عالية. ويقوم المعالج النفسي مع المصاب بهذه التقنية في بادىء الأمر، ومن ثمّ يعتاد الشخص عليها، ويمارسها بنفسه. هذا بالإضافة إلى العلاج الطبّي الذي يُمكن اللجوء إليه في حالات الإكتئاب، وتقلّبات المزاج القصوى.
* لنفترض أنّ هناك شخصَين تعرّضا لنفس الصدمة في نفس الوقت، فهل تتطابق أعراض إضطراب ما بعد الصدمة لديهما؟
– كما في كلّ اضطراب أو خلل نفسي، تختلف الأعراض من شخص لآخر، من خلال عدة معايير، بالإضافة إلى الفرق في كيمياء الإشارات الدماغية لكلّ فرد. فليس من الضروري أن يعاني الشخصان من نفس الأعراض، وبالتالي ليس من الضروري تخطّيهما الإضطراب في نفس الوقت.
*ما الأفلام السينمائية التي تناولت هذا الموضوع، وتساعد القارىء على التعرّف أكثر على هذا الإضطراب؟
– بالفعل، تمحورت مواضيع عدّة أفلام سينمائية حول هذا الإضطراب النفسي، أذكر منها اثنَين:
Moving a nation to care وFearless
.

Nidal Al Ahmadiehنضال الأحمدية