تساقون كالبهائم من منكم يتأكّد من صحة ما يسمع وما الفرق بين الرأي والخبر؟

(من ترك قول لا أدري أصيبت مقاتله).. هذا قول، أرجو أني أنقله صحيحاً، وأن يصحّح لي من يجدني مخطئة لأني أعتقد، ولست متأكّدة، أنه من حِكَمٍ الإمام علي.
أقول «ما بعرف» صحّحوا لي، وردّدوا مثلي حين نكون غير متأكدين «ما بعرف». ذلك أننا ولشدَّة ما نحن فطاحل، فكلنا بني عرب يعرف، وكلنا متأكد حتى أصبنا في مقتل.
ودائماً حين لا أكون متيقنة من معلومة، أردّد عبارة لست متأكدة، وحين أكون غير فاهمة فأقول لا أعرف، ولا يحرجني الجهل
وهذه الـ «ما بعرف» أو (غير متأكدة) تلازمانني حين أقول خبراً لا رأيا.
في الرأي، نكون متأكدين عادة مما نقول، لكن في المعلومة، فإن نقلها يستوجب كلّ الحذر، كي لا نقع في الخطيئة، وهي أكثر ما تكرهه السماء فينا.
وأكبر الخطايا أن نوهم الآخر، ونؤكّد له أن معلومتنا صحيحة، فنغشه بعد أن نغش أنفسنا، وذلك لآفةٍ فينا.
كلٌ منا، يريد أن يكون فاهماً، عارفاً ومتأكداً «لهيك بس خربت الدني». وأكبر دليل ما يحدث على السوشيال ميديا.
ادّعينا الفهم، فأصبنا في مقتل، وها نحن ننازع، لأننا كنا أمة المعرفة، وصرنا أمة الجهل! نحن المتكبرون على الله ووصاياه وحكمِه، فإننا ننكر الله حين نتكبر، وكل سلوكنا قائم على قاعدة «يا قاتل يا مقتول». لاحظت هذه (الأنا العليا) «الغشيمة» المقزّزة عند غالبية من حولي.
منذ كنت صغيرة، كنت أراقبهم يتجادلون، هذا يقول: معلومتي صح، ويرد الثاني مكذباً إياه: لا، معلومتي أنا هي الصح، ويتطوّر الموقف ليدخل مرحلة التحدّي، الذي لا يكتمل إلاّ بـ «بتشارط»!
تتذكرون الآن كم نقول لبعضنا في لحظة حرج: «بتشارط»؟
ولا يصل أي من «المتشارطين» ولا سامعيهم إلى معلومة صحيحة، لأنه وفي عجقة الإستعراض والتحدّي، لا تعود المعلومة هي صلب الموضوع، بل مشهد الهرج والمرج، والصراخ والتحدّي الذي نشهده الآن في شكل الثورات المعلوماتية، على /صفائح من نور/ (آية قرآنية) أي على الشاشات والإنترنت (لا أدري إن كان هذا التفسير القرآني صحيحاً).
وبدل أن نبحث عن المعلومة الصحيحة، فإننا نؤخذ بالتفرّج على الأغبياء «المتشارطين» المدّعين، الضالين والمضلِّلين.
تضيع المعلومة الصحيحة، وفي الأصل تكون مهمتها هي أن تدلّنا على الطريق الذي ضيعناه. كل يعتقد أنّ معلوماته هي الأصح، يتصارعون كالثيران في استعراضات مدهشة، ومغرية، تنسينا الغرض الأساسي من إقبالنا عليهم، وهو أننا (نريد أن نعرف المعلومة)!
وهذا ما حدث لنا نحن «العربان»، إعتدنا التفرّج على «سيرك» الأخبار، «سيرك» الريبورتاج، «سيرك» الحوار، أو الـTalk show فطارت المعلومة في مهب ريح الجهل، ودخلنا غيبوبة جماعية. وإني أدري بأنّ العرب صُنفنا تحت توصيف واحد إسمه: (المهرجون المدعون).
والمهرج ليس من يقف على المسرح ليؤدّي دوره، بل المهرج أيضاً، هو المتفرج أو المستمع الذي ينصاع لما يسمع، فيصدق أو يحبُ أن يصدق. وكلاهما شريك، هذا يقول ويكذّب وذاك يسمع ويصدق.
السامع حين يتبنى الكذبة، يصبح أباها وأمها.!

ما الفرق بين كذّاب ومصدّق للكذبة؟

أحدهما يعرف أنه دجّال، والثاني يرغب بالتصفيق، لأنه نسي المقدّسات الإنسانية، وهي التبين من المعلومة قبل تبنيها أو تصديقها ونقلها.
أسأل: من منكم يتأكّد من صحة ما يسمع؟ ومن يتأكّد من صحة ما يرى؟
أذنان اثنتان تسمعان، وعينان اثنتان تريان في ذات اللحظة، فيتلقى صاحبهما المعلومة، ويعتقد أنه رأى وسمع، وأن هذا كاف ليصدق.
فهل فكرنا بأنَّ ما نراه ونسمعه بالأربعة، قد يكون كذباً؟
وهل علينا أن نعيد النظر، ونعي بأن حواسنا لم تعد كافية للتأكّد من صحة الخبر، بل أصبح لزاماً علينا أن نتذكّر بأننا أصحاب عقول، أو الإستعانة بمتخصصين.
وقد يجيب أحدهم: أين المتخصصون في وطن عربي راضخ وأهبل، عالم قضى على علمائه كي يكون الملك والسلطان والحاكم بجزمته.
ليس هو الغرب مسؤولاً عمَّا قدَّمه لنا من علوم قتلت فينا ضوء النفس ونور العقل.
كلّ الشرق، بما فيه «العربان» أسرف في الإنصياع للغرب، لأنهم أشدّ الأشداء في تسويق ما يريدونه من صحيح قليل وضلال كثير.
ورغم أن علومنا هي الأكثر قيمة، لكن ما ملكه الغرب وتكبرنا فتجاهلناه، هي مفاتيح الإعلام. هم يملكون مهارات إعلامية واجتهدوا في علوم التسويق، وها نحن نساق، لأن أسلوبهم الترغيب، بينما الترهيب هو آلة الشرق في التسويق.
وبين ترغيب وترهيب ضعنا، وضاع من رُهب، فانتصر من رَهّبَ. كيف نكون أمة لا إله إلا الله كما ندعي، وقد خالفنا كل علوم الله.
لا أحد منا يسير على قاعدة: (ما كذبت ولا كذبت ولا ضللت ولا ضل بي). نساق بهائم إلى ساعة صفر جديدة، ولا أدري على من الحق: الشرق الغبي أم الغرب المستفيد من غبائنا؟

Nidal Al Ahmadieh نضال الأحمدية