يوم للستات فيلم نخبوي شعبي لرحم وماء وعشاق

فيلم (يوم للستات) الذي يحصد الجوائز كما لا يفعل أي فيلم مصري آخر من الأفلام التي يعلنون عن كميات دخلها عبر شبابيك التذاكر والتي تنتهي صلاحيتُها مع انتهاء العرض الأخير فلا تعود ذات قيمة ولا تُحسب حتى من ضمن الصناعة السينمائية الفاخرة..

يوم للستات صناعة نسائية تنتصر للرحِم والحب
النجوم المصريون الهام شاهين محمود حميدة فاروض الفيشاوي نيللي كريم هالة صدقي

فيلم (يوم للستات) يفوز بالجوائز الدولية على مستوى القارات ولا يتوفر في الصالات اللبنانية لكنك ستجده مسروقاً مسرّباً عبر اليوتيوب وستمنح نفسك ساعة ونصف من الأمل والحلم الذي يتحقق، ولا يبقى أسير كادرات المخرجة كاملة أبو ذكري.

البطولة في (يوم للستات) ليست لأي من النجوم الأبطال والكثر من الذين شاركوا في الفيلم، بل لذاك الرحم الذي يحبل بهم ويرمز إليه (حوض السباحة) الذي يعوم فيه الرجالُ والنساءُ الغلابة، فيغتسلون من خطايا توارثوها ممن سبقوهم، أو هم يعانون من آلام يتكبدونها نتيجة ترهل شخصياتهم التي تنحني لأوامر العادات والتقاليد والفقر، أو لأحداث أُصيبوا بها فتبنوا نتائجها وغرقوا في سوادها الأعظم، وما عادوا قادرين حتى على البكاء حسرة وكأن كل الدموع احتشدت في المسبح – الرحم- الذي وحين يلجأ إليه أبطال الحكاية يُعتقهم من كل العِقد ويمنحهم قطرة سحرية في العين مهمتها تسييل الدموع المتحجرة نتيجة الغضب فتبكي إحدى البطلات وتغسل قلبها من الحرقة، وهذا ما شاهدناه مع (نيللي كريم) التي بكت فجأة على المسبح ما أنتج ردة فعل إلهام شاهين حين ابتهجت وحرّضت نيللي على البكاء وذرْف الدموع (المياه) التي نعرف من خلال إلهام شاهين أنها تحدث لأول مرة بعد الفاجعة التي ألمت بنيللي كريم في حكاية (يوم للستات).

النجوم والكومبارس كلهم في (يوم للستات) مجموعات من الأجنة يسبحون في هذا الرحم الكبير يفرحون ويضحكون ويغنون ويرقصون هرباً من واقع البر حيث تُصبح كل هذه المتع محبوسة في قمقم الفقر.

إلهام شاهين تحيي الحضور
إلهام شاهين هي فخر الوطن العربي

وأهم ما في (يوم للستات) أنه وحين تشاهده لن تجد نفسك أمام قِصةِ غيرِك، بل تصبح بطلاً وربما أكثر من بطل واحد، وتصبح شريكاً في اللعبة بل متورطاً يكتب خطه الدرامي وينحاز للخط الثاني ويعرّج على الثالث وعينه على الخط الرابع.

يوم للستات حكاية شعوب بأسرها دون أن يخرج عن كونه مصرياً لشدة ما للفيلم المصري خصوصيته بل شخصيته الثاقبة.

(يوم للستات) عمل ترميزي نخبوي وشعبوي في آن، وهذا النوع من الدراما يُعد من أصعب الإنتاجات وأذكاها على الإطلاق، إنه اللغة السينمائية الأقوى والتي يعجز عن حياكتها كُثر من صنّاع السينما إذ قلما نشاهد عملاً نخبوياً وجماهيرياً في آن.

الفيلم لا يوزع رسائل وحسب، بل يخلق أو يعلمنا نمطاً جديداً للحياة, يضع أمامنا عالماً كلياً مع القواعد لبسيطة القائمة على تفاصيل صغيرة هي من صلب حياتنا لكننا لا ننتبه لها لأننا نسينا كيف ندخل اليمّ الذي يعيد صياغة حياتنا فيُنجبنا.. هذه الولادة الثانية التي تستحق احتفالاً بانتصار الحب على الآلام والآثام.

إلهام شاهين وكاملة أبوذكري
إلهام شاهين ومخرجة يوم للستات كاملة أبوذكري

قالت لي الهام شاهين حين اتصلت أهنئها: (كل شيء غالٍ في عالمنا العربي إلا الحب الحب ببلاش) أردت أن أقول لها: (والموت أيضاً رخيص في عالمنا العربي أي ببلاش) لكن لم أتمكن.. كان المشهد العام لـ (يوم للستات) يغمرني بماء الحياة – المسبح – ويبللني بالحب.. فما تمكنت من النطق بعبارة الموت التي دسّها العرب Tracking Chip في وجداننا منذ كنا.

قالت لي إلهام شاهين: كل متعة في الحياة تحتاج إلى مال، والفقير الفاقد لكل أنواع المتعة، من حقه أن يتطهر بالماء ويتوضأ بالحب لينعم بالسعادة.

ويخطر ببالي ما قاله جبران خليل جبران (إذا المحبة أومت إليكم فاتبعوها). وها هو مسبح المخرجة كاملي أبو ذكري والهام شاهين ومحمود حميدة وإياد نصّار وفاروق الفيشاوي ونيللي كريم وهالة صدقي يومئون إلينا بأن نتطهّر من آلامنا وخزينا الذي فرضه علينا الواقع بالاغتسال الذي يفضي إلى إعادة صياغة خلايانا حيث نخرج من المسبح وحين عودتنا إلى بيوتاتنا فهنالك دائماً (قهوة عالمفرق – فيروز).

هنيئاً لفريق فيلم (يوم لليتات) من كبار الفنانين والتقنيين بما فيهم الكاتبة ومديرة التصوير التي قدمت لوحات وكادرات رائعة وكنت فقط أرغب لو أن المخرجة جعلت من لون المسبح أزرقَ كي تنكحَ ماؤُه السماء.

النجمة المصرية الكبيرة إلهام شاهين

(يوم للستات) إنتاج نسائي ينحاز للإنسان ولا يقع في خطيئة التحيّز للمرأة، ويُلفتنا فيه أن المجتمع الفقير ورغم كل العلاّت التي يعاني منها لكنه يساوي بين المرأة والرجل ويطحن فِكَرَ العيب لصالح عملاق اسمه الحب.

(يوم للستات) من إنتاج وبطولة النجمة إلهام شاهين، نيللي كريم، محمود حميدة، فاروق الفيشاوي، أحمد الفيشاوي، ناهد السباعي، أحمد داود، إياد نصّار وهالة صدقي ومن تأليف هناء عطية، مديرة التصوير وإخراج كاملة أبو ذكري.

ألم يقل السيد المسيح بالمحبة فقط يحيا الإنسان.. ألم يتعمد بالماء؟

نضال الأحمدية Nidal Al Ahmadieh