في موسمٍ رمضاني يتسابق فيه المنتجون على نسب المشاهدة، تدخل كارين رزق الله السباق هذا العام لا كنجمة شاشة فقط، بل ككاتبة كما العادة، قررت أن تضع يدها على الجرح وتختار منطقة ملغومة وهي الذاكرة اللبنانية.
عرض الحلقة الأولى من مسلسل (المحافظة 15) ليس حدثًا دراميًا عابرًا العنوان وحده إعلان موقف.
(المحافظة 15) ليست استعارة لجرح لبناني بل وتوصيف لمرحلة عاش فيها لبنان تحت الوصاية السورية حيث اعتُقل لبنانيون، خُطفوا من بيوتهم، ونُقلوا إلى السجون السورية، بعضهم عاد، وبعضهم لا يزال ملفه مفتوحًا في ذاكرة عائلاته، الاحتلال السوري الأبشع في تاريخ لبنان الحديث بل الأبشع من الإحتلال الإسرائيلي والعثماني والفرنسي وابشع من أي بجم وهمج يحتلون في نظامهم وعناصرهم مت اعلى الهرم إلى أسفله.
العودة الى هذه المرحلة ليس تفصيلًا في كتابة سيناريو بل قرارًا سياسيًا وطنيًا وأخلاقيًا. لأن المشكلة في لبنان ليست أن الحرب انتهت بل أننا لم نكتبها. 15 عامًا من الحرب الأهلية، و30 سنة من الإحتلال السوري، واحتلال إسرائيلي دام سنوات، وصراع فلسطيني لبناني معقد كلّها فصول تكاد تكون محظورة دراميًا.
الأخطر أن المناهج التعليمية الرسمية تتوقف عند عام 1948، وكأن التاريخ اللبناني تجمّد هناك. أجيال كاملة تربّت على ذاكرة مبتورة وعلى صمتٍ رسمي، تجاه أكثر المراحل دموية في تاريخ البلد الحديث. لا مسرح تناولها بعمق كافٍ، ولا سينما واجهتها مباشرة ولا تلفزيون اقترب منها بلا مواربة. بقيت الحرب رواية شفوية، تتناقلها البيوت، لا المؤسسات.
الرهان اليوم ليس على نجاح درامي بقدر ما هو على اختبار سقف الحرية. هل يُسمح للدراما أن تقول ما لم تقله السياسة؟ هل يمكن للكاميرا أن تفتح ما أغلق في كتب التاريخ؟ وهل المجتمع مستعد لسماع ما حاول طويلاً تجاهله؟
كارين رزق الله لا تقدّم نفسها كمؤرّخة، ولا كقاضية. لكنها تمارس دورًا أخطر كاتبة ترفض الصمت. في بلدٍ يقوم توازنه على التسويات، يصبح الكلام مخاطرة. وفي زمن يفضّل فيه كثيرون السلامة على الصراحة يصبح الفن الصريح فعل مقاومة.
إنها لحظة اختبار، لكنها أيضًا لحظة تثبيت موقع. فإمّا أن تؤكّد كارين مجددًا أنها الكاتبة التي تكتب بضميرٍ حرّ أو تنجرف، لا سمح الله، مع موجة التلطيف والمسايرة. غير أن من يعرف مسيرتها يدرك أن خيارها كان دائمًا الانحياز للحقيقة مهما كانت قاسية.
سارة العسراوي

