
في الحلقة الرابعة من مسلسل بالحرام، الذي تؤدي بطولته النجمة ماغي بو غصن مع نخبة من نجوم لبنان، يطل مشهدٌ مفصلي أدّاه مجدي مشموشي، بدا وكأنه اللحظة التي انكشفت فيها الخيوط الأولى للقصة.
في ذلك المشهد، نشاهد شخصية مجدي تُمعِن النظر في مقاطع مصوّرة تُظهر الشاب هادي، الذي وُجد مشنوقًا في نهاية الحلقة الأولى، على سرير برفقة شاب آخر، فيما يُلتقط الفيديو خلسة بلا علم هادي. هنا لا يعود العمل مجرّد دراما اجتماعية، بل يتحوّل إلى مساءلة أخلاقية وقانونية لعالمٍ سفليّ يقوم على الابتزاز والاستدراج والاستغلال.
هذا المشهد لم يكن صادمًا لذاته فحسب، بل لما يحمله من دلالات. ففكرة التصوير السرّي والتهديد والإيقاع بالشباب في شباك محكمة تحيل مباشرة إلى قضايا الاتجار بالبشر واستدراج القاصرين والقاصرات والاعتداء عليهم وتوثيق الجرائم بحقهم. الدراما هنا لا تكتفي بسرد مأساة فردية بل تفتح الباب أمام شبكة محتملة من المصالح والجرائم المنظمة، حيث يتحوّل الجسد البشري إلى سلعة، والكرامة إلى ورقة ضغط.
إن خطورة الطرح تكمن في كونه يلامس جراحًا واقعية في منطقتنا والعالم. فملفات الاتجار بالبشر، واستغلال الأطفال، بل والاتجار بالأعضاء في بعض البلدان التي تعاني الفوضى والحروب، ليست مجرّد شائعات عابرة، بل وقائع وثّقتها تقارير دولية. وعندما يلمّح العمل إلى شبكات خفيّة تستدرج الضحايا وتوثّق الاعتداءات لاستخدامها في الابتزاز، فهو يذكّرنا بفضائح عالمية كشفت كيف يمكن للسلطة والمال أن يوفّرا مظلّة حماية لجرائم بشعة، كما حصل في قضية جيفري إبستين التي هزّت الرأي العام العالمي منذ فترة، ولا تزال تداعياتها القضائية والإعلامية تتفاعل حتى اللحظة.
الفن يستلهم من الواقع لكنه لا يطابقه حرفيًا. ومع ذلك، يصعب تجاهل المصادفة الزمنية بين طرح المسلسل لهذه القضايا الحساسة وتجدد النقاش الإعلامي حول ملفات الاستغلال والاتجار بالبشر عالميًا. كأنّ العمل يلتقط نبض اللحظة أو يعكس قلقًا جمعيًا يتصاعد مع انكشاف المزيد من الوقائع.
المشهد الذي أدّاه مجدي مشموشي كان نقطة تحوّل درامي لأنه نقل القصة من حيّز الغموض الفردي إلى فضاء الجريمة المنظّمة ونجح في إظهار الصدمة الداخلية للشخصية وتردّدها بين إنكار ما ترى والتورّط في تبعاته. هذا التوتر هو ما يمنح العمل ثقله الأخلاقي فالجريمة لا تُرتكب في الظلام فحسب بل تستمر بصمت المتواطئين وخوف الشهود.
يطرح (بالحرام) سؤالًا قاسيًا كم من الجرائم تمرّ أمام أعيننا تحت ستار النفوذ أو الخوف أو الفضيحة؟ وإذا كان الفن مرآة المجتمع فإن هذه المرآة هنا لا تعكس صورة مريحة بل تكشف قبحًا صامتًا. وربما تكمن أهمية العمل في أنه لا يقدّم إجابات جاهزة بل يضع المشاهد أمام مسؤوليته الأخلاقية أن يرى وأن يسأل وأن يحلل ويتابع التفاصيل.
سارة العسراوي

