
في كل مرة نحدق فيها إلى الشاشة، ونرى نجمة متألقة أو نجمًا يلمع تحت الأضواء، نظن أننا نرى الحقيقة كاملة. نبهر بالبريق، بالأزياء الفاخرة، بالابتسامات الواثقة، وبالنجاح الذي يبدو بلا شوائب. لكن مسلسل (وننسى اللي كان) يضعنا أمام اسئلة عميقة ماذا لو كانت الشهرة نفسها قناعًا؟ ماذا لو كان الضوء الكثيف يُخفي عتمةً أثقل؟
تجسد ياسمين عبد العزيز في العمل شخصية فنانة تعيش في قلب المجد لكنها تجد نفسها محاصرة بالتهديدات والشكوك وكأن النجاح لم يكن تتويجًا بقدر ما كان بداية معركة. هنا لا تعود الشهرة مكافأة بل اختبارًا قاسيًا للنفس والبيت والعلاقات.
المسلسل لا يدين الشهرة ولا يُعمم التجربة على جميع المشاهير فليس الجميع يعيش الوجه ذاته. لكنّه يسلط الضوء على جانب غالبًا ما يُغفل. الفراغ الذي قد يختبئ خلف الجداول المزدحمة والوحدة التي قد تتسلل رغم ملايين المتابعين. فالكاميرا تمنح الصورة لكنها لا تمنح الطمأنينة. والتصفيق يعلو في المسارح، لكنه يخفت سريعًا حين يغلق الباب وتبقى الروح وحيدة مع أسئلتها.
الأخطر من ذلك هو الهجوم المنظم الذي قد يتعرّض له بعض النجوم. في عصر اللجان الإلكترونية والحملات الممنهجة، يمكن لإشاعة أن تتحول إلى حقيقة متداولة، ولخبر ملفّق أن يدمّر سمعة بنيت خلال سنوات. الشهرة تجعل صاحبها هدفًا مكشوفًا كل خطأ مُضخم وكل صمت مفسر وكل نجاح مثير للحسد. وهنا يصبح الفنان في مواجهة ماكينة لا ترحم، تحاكمه بلا محكمة وتدينه بلا دليل.
ولا تقف المعركة عند حدود الفضاء العام. فالضغط يتسرّب إلى البيوت وإلى العلاقات الأشد خصوصية. قد يقف أقرب الناس موقف الاتهام الصامت حين تتكاثر الشائعات. قد يتعب الأهل من الضجيج ويخشى الأصدقاء من الانخراط في عاصفة الاتهامات. بل ان الحبيب نفسه تحت وطأة الغيرة أو الخوف أو الطموح قد يتحول من سند إلى خصم بارع، يعرف أين يوجع وكيف يصيب. هكذا يصبح النجاح امتحانًا للعلاقات، يكشف هشاشتها أو يرسخ صدقها.
ومن موقعنا كصحافيين نعرف أن الصورة أعقد بكثير مما يُعرض على الجمهور. نحن نسمع ما لا يُقال على الهواء ونرى ما لا تلتقطه الكاميرات. نعرف حجم العزلة التي يعيشها بعض النجوم في بيوتهم الواسعة وندرك كم ان الضحكة أمام العدسات قد تخفي ليالي طويلة من القلق أو البكاء. نعرف أيضًا خوفهم الحقيقي ليس فقط من الهجوم بل من انتهاء الضوضاء. فالمفارقة القاسية أنّ من يشتكي من صخب الشهرة قد يرتجف داخليًا من احتمال أن يختفي هذا الصخب يومًا ما.
لهذا حين ندافع أحيانًا عن نجم قوي فليس لأننا نجمّل الصورة أو نبرر الخطأ بل لأننا نرى هشاشته الإنسانية التي لا يراها المشاهد. ندافع عن حقه في مساحة خاصة في لحظة ضعف في خطأ لا يتحوّل إلى مشنقة. ندافع لأننا نعرف ان خلف الاسم اللامع إنسانًا يخاف ويحب ويتألم وقد ينهار بصمت.
(وننسى اللي كان) يذكرنا بأن النجومية ليست حصانة من الألم ولا درعًا ضد الخيانة ولا ضمانة للسعادة.
خلف كل صورة مثالية إنسان هشّ يحتاج إلى الأمان كما يحتاج إليه أي شخص آخر. وربما كان أجمل ما يفعله هذا العمل انه يعيد إلينا القدرة على النظر إلى النجوم لا كرموز بعيدة، بل كبشر يعيشون صراعاتهم في الكواليس، ويبتسمون رغم ذلك أمام الكاميرا.
فالشهرة ليست دائمًا حلمًا ورديًا أحيانًا تكون الوجهَ المخفي والمخيف لوحدة كبيرة وضجيج يخفي خوفًا عميقًا من الصمت.
سارة العسراوي

