
المدينة التي تتجمّل في النهار وتتحوّل لِفخٍّ في الليل بسبب اكثر من مليوني غريب بدون اوراق رسمية
في قلب بيروت، لا في أطرافها، وفي منطقةٍ يُفترض أنّها الواجهة المضيئة للعاصمة — البيال، قرب زيتونة باي، كادت صحافية لبنانية أن تُغتصَب.
لا في زقاقٍ مظلم، بل على بعد أمتار من البحر، من الضوء، ومن لافتات الفنادق الفخمة.
لكنّ المدينة للأسف، تتجمّل في النهار لتتحوّل في الليل إلى فخٍّ للنساء.
لم يكن المتحرّش وحده المجرم تلك الليلة. المجرم الأكبر هو الدولة اللبنانية التي تركت المكان غارقًا في العتمة، بلا حارسٍ ولا كاميرا ولا حتى مصباحٍ واحد.
كيف تُترَك منطقة كهذه؟ المفترض أنها المنطقة السياحية الأولى في بيروت المفتوحة الذئاب، بينما كلّ مترٍ من جسد الوطن مراقَب بالكاميرات حين يتظاهر الناس ضدّ الفساد؟
الصحافية نجت معتمدة على اخر نفس فيها. رفعت هاتفها بوجه الوحش وقالت: “سأصوّرك.” فهرب.
هرب لأنّ الهاتف صار أقوى من الأمن، ولأنّ الدولة اللبنانية استقالت من مسؤوليتها وتركت النساء يحمين أنفسهنّ وحدهنّ.
المنطقة المشبوهة التي يعرفها الجميع، وتتناساها الدولة
ليست الحادثة الأولى، ولن تكون الأخيرة، لأنّ المكان نفسه موبوء بالإهمال والسكوت المتواطئ. منطقة البيال — هذه البقعة التي يتباهى بها السياسيون في نشرات السياحة، تحوّلت منذ سنوات إلى ثقبٍ أسود في قلب العاصمة.
لا إنارة، لا دوريات، لا كاميرات، لا رادع. وكأنّ أحدًا ما قرّر أن تبقى “الواجهة” بلا ضوء، لأنّ الظلام يخدم مصالحهم أكثر من الأمان.
أليست هي المنطقة نفسها التي شهدت قبل عامين حادثة اغتصاب لفتاةٍ خرجت تمارس رياضة الجري؟ لم تكن تعرف أن طريقها سيقودها إلى مساحةٍ مشبوهةٍ لا تعرف القانون ولا الحياء.
صرخت، اختفت، نُسيت. والدولة التي تعرف أسماء المغرّدين على تويتر لم تعرف اسم مغتصِبٍ واحد هناك!
هكذا تُصنع البقع السوداء في المدن: ليس لأنّ المجرمين أقوياء، بل لأنّ الدولة تختار أن تكون ضعيفة.
وحين تغيب الدولة، لا تبقى المدينة مدينة، بل غابةً مضاءة بشعاراتٍ كاذبة… “بيروت مدينة الحياة.”
أيّ حياةٍ هذه حين تُصبح الحرية خطرًا والليل عدوًّا؟
نور عساف
