مسلسل (لعبة وقلبت بجد) دراما تضع الأسرة أمام مرآة العصر
يأتي مسلسل (لعبة وقلبت بجد) بطولة أحمد زاهر، بوصفه عملاً دراميًا يتجاوز حدود الترفيه، ليطرح سؤالًا ملحا يطرق أبواب كل بيت: كيف نحمي أبناءنا من الإنزلاق غير المرئي إلى إدمان العالم الرقمي؟
لا يتعامل المسلسل مع قضية الألعاب الإلكترونية بوصفها شرًا مطلقًا، ولا يتبنّى خطابًا وعظيًا مباشرًا بل يقدّم صورة واقعية لأسرة عادية تتسلّل إليها التكنولوجيا تدريجيًا، حتى تتحوّل من وسيلة تسلية إلى عامل توتر واختلال في التوازن الأسري.
وهنا تكمن قوة العمل: في قدرته على تصوير التحوّل الهادئ الذي لا يُلاحظ إلا بعد أن تتفاقم نتائجه.
يقدّم أحمد زاهر أداءً ناضجًا ومتزنًا، يجسّد من خلاله شخصية الأب الحائر بين الحزم والتفهّم. فلا يظهر بصورة المتسلّط ولا بصورة المستسلم بل كأب يحاول أن يفهم عالمًا جديدًا لم ينشأ فيه، وأن يجد لغة مشتركة مع أبنائه. هذا الصدق في الأداء يجعل المشاهد يرى نفسه في الشخصية، أو يرى أبًا يعرفه جيدًا.
كما يساهم باقي أبطال العمل في إضفاء عمق واقعي على الأحداث، خاصة الأطفال الذين عكسوا بصورة طبيعية لانجذاب الجيل الجديد إلى العوالم الافتراضية، وصعوبة الإنفصال عنها. وقد بدا واضحًا أن العمل يراهن على التوازن بين الدراما الاجتماعية والتشويق، دون إفراط أو مبالغة.
تكمن أهمية (لعبة وقلبت بجد) أنه يفتح باب الحوار داخل المنزل. فلا يقدّم حلولًا جاهزة بقدر ما يدعو إلى التفكير: كيف نضع حدودًا صحية لاستخدام التكنولوجيا؟ كيف نوازن بين الثقة والرقابة؟ كيف نحافظ على دفء العلاقات الإنسانية في زمن الشاشات؟
عمل يذكّرنا بأن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في طريقة إدارتنا لها. التقنيات الحديثة نافعة ومثمرة، لكنها تتحوّل إلى خطر صامت إذا غاب الوعي والمتابعة.
في زمن تتسارع فيه التحوّلات الرقمية، يأتي (لعبة وقلبت بجد) ليؤدي دورًا ثقافيًا واجتماعيًا مهمًا، ويعيد تسليط الضوء على جوهر الأسرة باعتبارها الحصن الأول للتربية والحوار. إنه مسلسل يستحق المشاهدة، ليس فقط لجودة أدائه الفني، بل لأنه يطرح قضية تمسّ كل بيت عربي، ويدعو إلى مراجعة علاقتنا بأبنائنا قبل أن “تنقلب اللعبة” فعلًا وتصبح النتائج أكثر تعقيدًا.
سارة العسراوي

