هل لاحظت مثلي غياب المسلسلات العاطفية البحتة عن الشاشات الأمريكية والأوروبية؟
في الوقت الذي تتربع فيه الدراما العربية والتركية والكورية على عرش الرومانسية والميلودراما، تخلت هوليوود وشبكات الإنتاج الأوروبية تقريبا عن مشهد الغرام.
أرقام شباك التذاكر وإحصاءات منصات المشاهدة، تؤكد تراجعا حادا في الإقبال على الأفلام الرومانسية الكوميدية والقصص العاطفية البحتة، مما يطرح سؤالاً جوهريا: ما الذي حدث للحب في وعي المشاهد الغربي؟أسباب عزوف الغرب عن الدراما الرومانسية يكشف عن أبعاد ودلالات اجتماعية، نفسية، واقتصادية عميقة.
1. الدلالة الاجتماعية: الفردية وتغير مفهوم العلاقات والزواج
شهدت المجتمعات الغربية الحديثة تحولاً جذرياً في أولويات الأفراد، وانعكس هذا التحول مباشرة على صناعة السينما والتلفزيون تراجع مركزية الحب الرومانسي: لم يعد الزواج أو العثور على “الشريك المثالي” يمثل النهاية السعيدة المطلقة في الوعي الجمعي الغربي. تقدمت قيم الاستقلال المادي، والنمو المهني، والفردية على حساب العلاقات التقليدية. واقعية العلاقات وجفافها: مع صعود تطبيقات التعارف، تحولت العلاقات إلى ما يشبه السلع الاستهلاكية السريعة. هذا الجفاف العاطفي جعل قصص “الحب الأسطوري” التي كنا نراها في المسلسلات الطويلة تبدو للمشاهد الغربي غير واقعية، بل ويصنفها الجيل الجديد كأعمال “مبتذلة لا تعبر عن تفاصيل يومياته.2. الدلالة النفسية: البحث عن “التحفيز الذهني” والهروب من الميلودرامايعيش المشاهد المعاصر في بيئة رقمية فائقة السرعة، مما غيّر من طبيعة ما يطلبه من الدراما التلفزيونية: إثارة الأدرينالين والغموض: يفضل الجمهور الغربي تنشيط الخلايا الرمادية في الدماغ عبر ملاحقة مسلسلات الجريمة والتحقيق البوليسي (مثل الدراما البريطانية الشهيرة) أو معايشة صراعات البقاء في أفلام الأكشن والخيال العلمي الأمريكية. تجنب التدفق العاطفي الطويل: أصبحت “الميلودراما” والمشاعر الجياشة المستمرة تُصنف في الغرب كإنتاجات منخفضة الجودة، أو مخصصة لأوبرا الصابون النهارية القديمة. بالمقابل، تركز دراما الصف الأول على تفكيك قضايا فلسفية، سياسية، ونفسية معقدة.3. الدلالة الاقتصادية: عولمة الإنتاج وموت الأفلام متوسطة الميزانيةالسينما في هوليوود والغرب هي صناعة تحكمها لغة الأرقام الصارمة ومبدأ تقليل المخاطر: عقبة الترجمة الثقافية: المشاعر الحميمة والقصص العاطفية تختلف حساسيتها وفهمها من مجتمع لآخر. بالمقابل، فإن مشهد مطاردة بوليسية أو جريمة غامضة يمثل “لغة عالمية” يفهمها المشاهد في أمريكا، أوروبا، وآسيا على حد سواء، مما يضمن أرباحا بالمليارات.اختفاء السينما متوسطة الميزانية: كانت الأفلام الرومانسية تُنتج بميزانيات متوسطة. اليوم، تخلت الاستوديوهات الكبرى عن هذه الفئة؛ فإما إنتاج أبطال خارقين بمئات الملايين، أو أفلام مستقلة بميزانيات ضئيلة. هذا التوجه دفع ما تبقى من أعمال عاطفية خفيفة إلى المنصات الرقمية كإنتاجات ثانوية.4. الدلالة الفلسفية: سيطرة العقلانية وتفكيك “كليشيهات” الحبيهرب صناع السينما في الغرب من الأفكار المكررة . فكرة اجتماع الحبيبين بعد صراعات طويلة أصبحت مستهلكة فنياً.إذا أراد مخرج غربي تقديم قصة حب اليوم، فإنه يقدمها من منظور تفكيكي وسوداوي؛ مثل فيلم Her الذي يناقش علاقة إنسان بذكاء اصطناعي، أو فيلم Marriage Story الذي يركز على واقعية الطلاق وتفكك العلاقات. الحب في الدراما الغربية المعاصرة لم يعد يطرح كـ “خلاص”، بل كعقدة نفسية ومسار مليء بالاضطرابات.نضال الاحمدية

