كنت اتلقى طعنات من نجوم أحسنت إليهم بكل الطرق. منهم من أقرضته مالا لأخفف عليه مفعول محنة يعيشها. ومنهم من دفعت له او لها كفالة مادية لاخرجها من السجن ومنهم من ذهبت معها إلى طبيب النساء لتخضع لعملية كورتاج، ومنهم من أخفيت سر مجونه عن زوجته، والأبشع أني اضطررت لأن أكذب واكذب واكذب كي اقنعها انه العفيف الطاهر!
ومنهم من لممته من الشارع، فآويته والبسته ونظفته وعلمته..
حكايات كثيرة عشتها على مدار 45 سنة والآن أريدكم أن تعرفوا لماذا يطعنكم من تحسنون إليه.
قبل حوالي 20 سنة كتبت مقالة أفسر فيها قول الإمام علي، وقلت محللة من منظور شخصي، اذ لم تتوفر المراجع العلمية آنذاك، وقلت التالي:
من تحسن إليه فتخبيء سره، فينقض عليك في أول فرصة محاولاً القضاء عليك بشتى الطرق، رغبة منه في أن يحمي نفسه من لسانك الذي قد يفشي سره.. أي يلعب لعبة الضربة الاستباقية..
ومنهم من يشعر بالنقص تجاهك لأنك الكبير الذي يحسن فينفذ ضدك عملية نفسية شهيرة (الاحساس بالنقص يولد سلوكًا عدوانياً يعبر عنه بالتكبر أو بكلمة أدق (يمارس الفوقية).
وكتبت: أن من تحسن إليه مرة واثنتين وثلاث.. وتتوقف لعجز أصابك، يهاجمك ويعتدي عليك معتبرًا أنك قصرت أو تباخلت أو ظلمته، لأنه صدق أن ما تقوم به واجبًا وليس إحسانًا..
والآن أضيف: حين تُحسن إلى إنسان ضعيف أو محتاج، فأنتِ تُذكّره دون قصد، بعجزه أو قصوره.
بعض الناس لا يحتمل أن يرى من أنقذه، لأن ذلك يُبقيه في موقع “الأدنى”. فتنقلب مشاعر الامتنان إلى نقمة دفينة. علم النفس يسمّي هذا بـ “نقمة المَدين” (Resentment of the indebted)، وهي حالة شائعة: المستفيد من المساعدة يبدأ بكره من أحسن إليه، لأنه يذكّره بأنه لم يقدر أن ينقذ نفسه بنفسه.
مثلاً.. الإبن الذي يثور على والده الذي ضحّى كثيرًا، الطالبة التي تكره أستاذها لأنه كان صاحب الفضل عليها، أو الفنان الذي يُقصي من اكتشفه، كي يشعر بأنه أصبح حرًّا.
ثانيًا: التفسير الاجتماعي – حماية النفس لا سوء الظن.. الإمام علي لا يدعو إلى سوء الظن بالناس، بل إلى الوعي بطبيعة البشر.
فيقول: “لا تظنّ الشر، لكن لا تنسَ أنه ممكن.” أي أحسن، ولكن أحسن بعقل، لا بعاطفة عمياء.
اعطِ دون أن تجعل العطاء سيفًا فوق رأسك، ولا تنتظر الامتنان، لأن الامتنان عبء لا يحتمله كل أحد.
وبالتفسير الروحي والفلسفي ومن منظور الحكمة، الشرّ المقصود هنا ليس بالضرورة أذى مباشر، بل ارتداد طاقة الفضل على صاحبها إن لم تُنقَّ بالنية.
أي أنّ الإحسان الذي يُقدَّم بغرور أو بمنّة، تتحوّل طاقته إلى ضدّها، لأن التوازن الكوني يرفض العلوّ على الآخرين.
لذا فالمعنى الكامل للعبارة هو: اتقِ شرّ الغرور الكامن في الإحسان، واتقِ شرّ الألم الكامن في من أُحسِن إليه.”
هنا لا أدعو إلى الريبة، بل أُحذير من قانون نفسي عميق: الجميل يوجع من لا يحتمله.
من تحسن إليه قد يحبك في البداية، لكنه حين يكره إحساسه بالضعف أمامك، فيعاقبك.. لذا، كما قال عليّ أيضًا: اصنع المعروف في غير أهله، يضرك، وفي أهله يرفعك. وقال المسيح: لا ترمي جواهرك قدام الخنازير..
يقول الطبيب النفسي Melvin Lerner في نظرية “العالم العادل” (Just World Hypothesis) إنّ الإنسان يرفض أن يرى نفسه ضعيفًا، لذلك يُعيد ترتيب الأحداث في ذهنه ليتخلّص من الإحساس بالدَّين أو الفضل.
أمثلة ذلك كثيرة: الابن الذي يثور على والده الذي ضحّى كثيرًا. الفنان الذي يقصي من اكتشفه لأنه يذكّره ببداياته الفقيرة. الصديق الذي يهاجمك حين تتوقف عن دعمه، كأنك ظلمته، لأنه اعتاد إحسانك وكأنه حقٌّ مكتسب.
إذًا الإحسان يولّد في بعض النفوس شعورًا بالتهديد بدل الامتنان، لأن النفس الضعيفة لا تحتمل رؤية من يتفوّق عليها بالعطاء.
حين تعطي لا تنس أنك قد تتعرض لردّ عدواني محاولة من الذي تعطيهلحماية ذاته من الإذلال الرمزي.
“لا تظنّ الشر، لكن لا تنسَ أنه ممكن.”
نضال الاحمدية

