مع انتشار “نتفليكس” كنافذة مختلفة على العالم، منصة لا تُحاضر، بل تنقل، ولا تُملي، بل تمنح كل الحرية للشعوب في ان تعبر عن نفسها خارج ساطور الرقابة.
ما فعلته “نتفليكس” في الشرق الأوسط لم تستطع أن تفعله مئات الفضائيات خلال عقود، اذ كسرت يد الحكومات التي تفرض على المتلقي ما تريده هي، لا ما يريده هو، دون أن يُملي عليه أحد كيف يفكّر أو لمّن يصفّق.
منذ دخولها المنطقة رسميًا عام 2016، أصبحت “نتفليكس” المنصة الأكثر حضورًا في البيوت العربية.
تجاوزت نسبة مستخدميها 30% من الجمهور في الشرق الأوسط عام 2023، وفق تقارير شركات تحليل السوق.
لكن الأرقام لا تهمّ بقدر ما يهمّ التحوّل الثقافي الذي أحدثته.
الناس يختارون بأنفسهم، والأفكار تعبر بلا إذنٍ من جهةٍ سياسيةٍ أو دينية.
حين عُرضت أعمال مثل AlRawabi School for Girls وPerfect Strangers،
ثار غضب اسرى الفكر التقليدي الرجعي في المنطقة، لأن المنصّة قالت بوضوح ما لا يجرؤ الإعلام المحلي على قوله، وهو أن الفتاة العربية ليست ظلّ أحد، وأنّ العلاقات الإنسانية لا تُقاس بشرف العائلة، بل بصدق الإنسان.
أثارت الجدل، وفتحت باب النقاش،
وهذا هو الدور الحقيقي للفنّ: أن يُقلق لا أن يخدر.
مدرسة السرد الحديث
نتفليكس ليست مجرّد شركة بثّ رقمي؛ إنها مدرسة سرد بصريّ جديدة تفرض المعايير بدل أن تتبع الزعيم.
سمحت المنصة للمبدعين العرب بأن يكتبوا بلغتهم، ويصلوا إلى جمهورٍ عالمي من دون وسيط يفرض شكل القصّة ويضع خطا احمر لما يزعجه.
ثقافة الدفع مقابل الحرية
في عالم عربي يعيش على الإعلانات الموجّهة، قدّمت نتفليكس نموذجًا بسيطًا: ادفع لتشاهد بحرّيتك.
للمرة الأولى، حُرّر المشاهد من سلطة الممول
أعادت المنصة تعريف مفهوم الحرية الثقافية، حرية تبدأ من حقّ الاختيار وتنتهي بالقدرة على الرفض.
الإبداع لا التخريب
من يهاجم نتفليكس بدعوى “التخريب” يتجاهل أن التخريب الحقيقي يحدث حين نمنع الفكر الحرّ.
نتفليكس لا تروّج لانحلالٍ أو انحراف، بل لحرية الاختيار العلني وليس من تحت الشرشف او القبقاب.
وهذا ما يُخيف من بنى مجده على فرض الطاعة بقوة الظلم.
الفنّ لا يخرّب، الوصاية تخرّب.
الإبداع، حين يُترك دون رقيب، يُنقذ ما تبقّى من الإنسان فينا.
منصّة للوعي، لا للضجيج.
نتفليكس ليست تهديدًا لهويتنا العربية، بل فرصة لإنقاذها من الرداءة التي شوّهتها الحكومات والانظمة الرديئة.
لهذا تبقى نتفليكس، التي اعادت تعريف الحلم كحق لا كجريمة.
بالأرقام
لدى نتفليكس أكثر من 301.6 مليون مشترك حول العالم حتى منتصف 2025.
في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) تُقدّر عدد اشتراكات المنصّات المدفوعة بحوالي 14 مليون عام 2023، ومن المتوقع أن تصل إلى
26 مليون في 2029.
رغم هيمنتها، أظهرت بيانات أنّ مكتبة نتفليكس في السعودية تشمل فقط حوالي 4٪ من المحتوى العربي، بينما تصل هذه النسبة إلى ما يقارب 51٪ في منافستها Shahid.
حتى بداية 2025، المغرب أصبح البلد الذي يملك أكبر مكتبة Netflix في المنطقة؛ تحتوي نحو 8,400 عنوانًا ضمن النسخة المغربية.
إحدى الإنتاجات العربية الأصلية لـ Netflix، فيلم Perfect Strangers (مصر-لبنان-الإمارات، 2022) — أول فيلم عربي مشترك بين عدة دول يُنتَج خصيصًا لـ Netflix لقي رواجًا كبيرًا على المنصة.
نضال الاحمدية

