ما حدث مع الدراما التركية على نتفليكس لا يمر هكذا.. لأنه تحوّل ممنهج في سياسة المنصّة وفي بنية الصناعة التركية نفسها.
لماذا؟
أولًا: التحوّل البنيوي بعد 2018
منذ دخول Netflix إلى السوق التركي (2016–2018)، بدأ توجّه واضح لإنتاج أعمال “أكثر جرأة” مقارنة بالدراما التلفزيونية التركية التقليدية، التي كانت محكومة برقابة دينية واجتماعية صارمة، فحدث التالي:
- المنصّة طلبت من المنتجين تضمين عناصر “علاقات حميمية” أو “قبل” أو “مشاهد سريرية” لجذب الجمهور الغربي.
- النقاد الأتراك، وصفوا هذه الموجة بأنها “التأمرك البصري للدراما التركية”.
- حتى الممثلون المحافظون اضطرّوا لتوقيع عقود تسمح بتمثيل “مشاهد حبّ مفتوحة الحدود” مقابل الانتشار العالمي.
- ثانيًا: نموذج الرقابة المزدوجة
في تركيا هناك “هيئة الرقابة على الإذاعة والتلفزيون RTÜK” التي لا تملك سلطة مباشرة على المنصّات الرقمية.
لذا استغلّت Netflix هذه الثغرة وقدّمت مشاهد لم تكن ممكنة على القنوات التركية مثل Star TV أو Kanal D.
- هذه المشاهد لا تُظهر عريًا كاملاً، لكنها تُصوَّر بإيحاء جسدي واضح (ضوء خافت، تنفّس، ملامسة).
- كثير من الصحف التركية انتقدت ذلك بوصفه “نقضًا للهوية الدرامية التركية” التي كانت تُبنى على العاطفة لا على الجسد.
ثالثًا: الأسماء التي “تورّطت” رغم تحفظها السابق
بحسب مراجعات تركية وناقدين في صحف مثل Sabah وHürriyet:
- Kıvanç Tatlıtuğ (Last Call for Istanbul, Yakamoz S-245) – أول مرة يصوَّر في مشهد جنسي إيحائي.
- Beren Saat (Atiye – The Gift) – ظهرت في مشاهد عاطفية صريحة رغم غياب العُري.
- Çağatay Ulusoy (The Protector) – تضمنت حلقاته مشاهد علاقة جسدية رمزية.
- Engin Akyürek (Kaçış / Escape) – رغم صورته المحافظة، قُدّمت شخصيته في إطار علاقة جسدية ضمن سياق “الحرب والحب”.
حتى النجمات المعروفات بحدودهن التقليدية مثل Tuba Büyüküstün ظهرن في Another Self بمشاهد قبل واحتضان جريئة مقارنة بالتلفزيون العادي.
رابعًا: البعد الثقافي والسياسي
هذه “الانفتاح الجسدي” لم يكن فقط فنيًا، بل سياسية أيضًا:
- Netflix أرادت أن تُظهر للمشاهد الغربي أنّ “تركيا ليست محافظة كما يُظن”.
- بينما في الداخل التركي، رُوِّج لهذه المشاهد باعتبارها “فنًا راقيًا” أو “دراما واقعية”، في حين أن كثيرين رأوها اختراقًا ناعمًا للثقافة الإسلامية-الأناضولية.
- النتيجة: ازدواجية في الوعي، جمهور عالمي يراهم أكثر تحررًا، وجمهور محلي يرى أنّهم فقدوا أصالتهم.
خلاصة
“تورّطوا” ليس بالمعنى الأخلاقي فحسب، بل المعرفي أيضًا: لقد تنازلوا عن خصوصية الدراما التركية، تلك التي كانت تُدرّس عالميًا كنموذج للعاطفة المكبوتة والإيحاء الوجداني، لصالح تقليد بصري غربي فقدَ عمقه وحياءه.
نضال الأحمدية

