إخفاء الأرقام المالية أو الشخصية عند العرب، ليست مجرد عادة، بل نتيجة تاريخ طويل من ثقافة الستر، والخوف من العين، والرقابة الاجتماعية، امتزجت بعوامل سياسية ودينية واقتصادية.
لا يوجد أي شعب على وجه الأرض يعاني من عقدة الأعداد والأرقم سوى العربي!
1. الجذور الثقافية: “العين” و”الحسد”
في الثقافة العربية، المال ليس مجرد وسيلة بل رمز للمكانة والحظّ.
الناس يربطون الغنى بـ “العين والحسد”، فيُفضّل الأغنياء والنجوم إخفاء ما لديهم حتى لا يُحسدوا.
وهذه الفكرة، رغم أنها تُقدَّم بلباس ديني أحيانًا، إلا أنها نفسية اجتماعية؛ لأن المجتمع يراقب وينتقد أكثر مما يحتفل بالنجاح.
2. انعدام الشفافية الاقتصادية
في الغرب، النجوم رجالًا ونساءً مضطرون قانونيًا لإعلان مداخيلهم أو ما يصرّحون به للضرائب.
في العالم العربي، لا توجد قوانين “إفصاح مالي؛ واضحة للقطاع الفني، وبالتالي يختفي المال في منطقة رمادية بين الكاش والوسيط، بين لبنان ودبي ومصر والسعودية، لا جهة توثّق.
لهذا، لا يمكن حتى لصحافي أن يحصل على رقم موثوق.
3. الخوف من المقارنة والحقد الطبقي
النجوم العرب يعيشون وسط جمهورٍ فقير ومتألّم، لذا يُفضّلون التواضع في الأرقام حتى لا يُتهموا بالترف أو الانفصال عن الواقع.
خطوات فكرية وواقعية:
1. حين نكفّ عن الخلط بين “القيمة الإنسانية” و”المال”
في مجتمعاتنا، الغني يُعظَّم، والفقير يُستَخَفّ به، لذلك إعلان الثروة يصبح إعلان تفاضل.
أما في المجتمعات الناضجة، القيمة تُقاس بما يُنتِجه الإنسان، لا بما يملكه.
عندما يتوقف المجتمع عن ربط الكرامة بالرصيد، سيتوقف الفنان أو الصحافي أو المواطن عن الخوف من كشفه.
2. التربية على الصراحة لا على التكتّم
منذ الطفولة نُربّى على جمل مثل: “لا تخبّر أحد قديش قبضت” “لا تقول عمرك” “استر رزقك”، هذه ليست وصايا أخلاقية، بل وصايا خوف.
يجب أن تُستبدل بثقافة تعليمية جديدة تقول: “احترم خصوصيتك، لكن لا تكذب لتُخفي حقيقتك.”
3. إصلاح الإعلام قبل الأفراد
الإعلام العربي يُحرّض على المقارنة، لا على الفهم.
يسأل: كم دفعت؟ كم لبستِ؟ كم طلاق؟
لكن لا يسأل: كيف وصلت؟ ماذا أنجزت؟
حين يتحوّل الخطاب من فضولٍ رخيص إلى تحليلٍ تنموي وثقافي، يصبح الإفصاح شيئًا محترمًا لا فضيحة.
4. الشفافية المؤسسية
حين تفرض الدولة أو النقابات الفنية إفصاحًا مالياً رسميًا (كما في هوليوود أو فرنسا)، يصبح الإعلان عن الأجر مسألة طبيعية لا استعراضًا.
السرّية تزدهر فقط في غياب القانون.
5. نضج شخصي وجماعي
التحرر من العقدة لا يأتي بقرار حكومي، بل بتحوّل داخلي.
حين يتصالح الإنسان مع نفسه، لا يخاف من نظرة الآخر.
كلّ من يخفي رقمه يخفي شيئًا أعمق: خوفه من حكم الناس.
الخلاصة
نتخلّص من هذه العقدة عندما ننتقل من ثقافة “ما يقولون عني” إلى ثقافة “من أنا فعلاً”.
حين نعيش شفافين بلا تبرير، يصبح الرقم — أي رقم — مجرّد معلومة، لا وصمة.
“حين يخاف الإنسان من الرقم، يختبئ من نفسه
بالمقابل، في أميركا أو أوروبا، النجومية تُقاس بالثروة علنًا، ويُنظر إليها كنجاح شخصي، لا كإهانة للفقراء.
نضال الأحمدية

