كلنا ومع السوشيال ميديا بدأ يسمع عبارة (قولاً واحدًا) وقد انتشرت كثيرًا منذ سنة، أو على الأقل أنا سمعتها منذ سنة فقط.
فمن يمرر خلال حديثه عبارة قولا واحدًا، يكون أولاً في حالة توسل أن تصدقه، يعني يكون كذابا، لأنه لا يوجد قولاً واحدًا، يوجد إلها واحدًا.
هذا الذي يجعل من كلامه أو يصفه ب (قولاً واحدا) يكون مدعيًا. يكون في حالة توسل لغوي، يحاول إغلاق النقاش قبل أن يبدأ.
لماذا؟ لأن داخله يعرف إن لو كان ما يقوله صلبًا، فكانت العبارة تأتي طبيعية، بلا توكيد، بلا ضغط بلا توسل، بلا عصا لغوي.
من يقول هذه العبارة؟ فجاهل حتمًا، والكذاب غالبًا الذي يبحث عن حضور لأنه عاش عشرات السنوات من القمع، فيقلد من حكمه، يتواصل مع الناس كما فعل به سيده.
هذا “المسكين” يستعير سلطة لغوية لم يعرف غيرها لأنه عبد السليط عليه.
وللاسف رغم كل المنصات المفتوحة له، لم يتمكن بعد من التحرر من ظل أسياده الذين حكموه وتحكموا بلسانه..
لاحظوا، لا أقول التي، لأنني لم أسمع صوتًا أُنثويًا استخدم هذه العبارة.. لماذا؟
🌟 السبب رمزي نفسي ثقافي. لأن صيغة الحسم والقطع ورفع الصوت والإدعاء بالقيادة، ارتبطت تاريخيًا وثقافيًا بالذكر القائد المستبد.
الصوت الأنثوي في الوعي الجمعي، وحين يكون أصيلا: لا يحسم، لا يقطع، لا يقول قولًا واحدا، لا يرفع صوته ليُصدق.
🌟 الصوت الانثوي لا يحتاج أن يتوسل كمثل: انتهى الكلام أو بالفرنسية Point final.
للأسف ترجموها من الإنكليزية التي تستخدم Without a doubt لكنها بالانكليزية لا تستخدم ابدًا إلا مع الصورة، لذا مع كل جملة بالإكليزية ستقرأ (قد) وليس قولا واحدًا.
المرأة التي راقبتها في سوريا باستثناء اللقيلات اللواتي بلا هوية، فبدت راقيات، دقيقات قويات صاحبات شكيمة وهيبة.. قليلا منهن اللواتي استعرن لغة الذكر السلطوي، فاصبحن مسترجلات.
🌟 الانثى حين تقود (قيادة حقيقية لا استعراضية): تقنع، تحتوي، تترك هامشًا وتعرف أن الحقيقة متعددة الطبقات وليست واحدة. لذلك لا تحتاج الى صيغة: قولا واحدا
هذه صيغة خوف لا صيغة قوة. هذا نمط ذكوري سلطوي تاريخيًا، لا علاقة له بالرجولة كقيمة، بل يعاني من الرغبة بالهيمنة، لأنه مخصي.
🌟 من الذي يؤله كلامة فينطق وكأنه لا اله الا هو فغالبا ابن بيئة سياسية معينة تتشارك هذه السمات:
1- : بيئة لا ديمقراطية.. في البيئات التي لا تتدرب على الاختلاف. لا توجد ثقافة نقاش. ولا اعتراف بالنسبي. فيكبر الفرد وهو يتعلم ان: الصوت العالي = حق. والحسم = قوة والسؤال = تهديد.
🌟 2- : بيئة ايديولوجية مغلقة سواء كانت: دينية، قومية، عسكرية، حزبية او ثورية شعاراتية. الفكرة فيها مقدسة قبل أن تفهم، والشك خيانة. والسؤال تشكيك فيتعلم الفرد أن: يحسم قبل ان يفكر وأن يصرخ قبل ان يبرهن
🌟 3 : بيئة خوف لا بيئة ثقة. الذي يحسم بالصوت ليس واثقًا، بل خائف بل مرتعب من فقدان السيطرة، من تعريته فنعرف جهله. لذلك يحتاج إلى لغة صارمة، حادة، وثنائيات قاتلة، مثل: انت (معنا او ضدنا)؟
🌟 4 بيئة سلطة لا معرفة في هذه البيئات: لا تنتصر الفكرة الافضل، بل الأقوى، ولا يصعد الهادئ بل المطيع، فيتشكل وعيًا يقول: ان لم تحسم، سيتم سحقك.
هذا الشخص نتاج نظام: يعاقب السؤال، يمجد نفسه فيدعي أن وحده يملك اليقين، ويخلط القوة بالحقيقة. لذلك يرفع صوته، لأنه لا يملك اي قيمة أو اداة غير صوته.
🌟 من يردد هذه العبارة وهذا الإسلوب في الكلام كأنه يقول: صدقوني.. لا تناقشوا.. لا تفتحوا الباب. داخله يعرف ان كلامه، لو تُرك وحده. أو لو فُتح عليه السؤال سينهار. لذلك يحمله على عصا لغوية اسمها التوكيد القسري.
🌟 بينما الكلام الذي يرتكز على علم ومعلومة يمشي وحده مختالا واثق الخطوة يمشي عظمة.. الكلام الضعيف يحتاج الى عبارات تسنده وحتى لو كانت خُرافة.
🌟 حين يكرر الانسان العبارة لا يثبتها، بل يكشف خوفه من انهيارها.
⭕️ لذلك الكذاب يكذب مرتين.. مرة حين يقول ما ليس صحيحًا ومرة ثانية حين يتوسل أن تصدقه.
🌟 اما من يعرف فيقول ويمضي.. تماما كما قال اللبناني امين الريحاني: قل كلمتك وامض.
نضال الاحمدية

