بشكل فج وحتى يصبح الامر وقاحة حين تنشر وزارة الاقتصاد حول قانون 75/99 بين النفاذ الورقي والتعطيل الواقعي.
تروج الدولة اللبنانية، من خلال وزارة الإقتصاد، عبر موقعها الرسمي، لسردية أو خبرية مفادها أن لبنان كان من الدول السباقة في حماية الفكر والإبداع منذ عشرينات القرن الماضي، وأن القانون رقم 75/99 لحماية الملكية الأدبية والفنية قد دخل حيز التنفيذ عام 1999، في سياق التزام لبنان بالإتفاقيات الدولية ذات الصلة.
هذه العبارات مضللة قانونيا وخطيرة سياسيًا، لأنها تخلط عمدًا بين صدور النصوص وبين الإنضمام للاتفاقيات، وبين التنفيذ الفعلي والحماية الواقعية.
في القانون، لا يكفي أن تصدر النص، ولا أن ينشر في الجريدة الرسمية، ولا أن توقع الدولة على اتفاقية دولية.
القانون الذي لا يُتبع بمرسوم تطبيق، يعني آلية تنفيذ، يُعتبر لاغيًا، وهذا واقع حال القانون 75 الذي صفق له فنانو لبنان بقيادة الفنان الكبير إحسان صادق نقيب الفنانين المحترفين آنذاك، الذي حضر الجلسة التي اقرت القانون ونُقل كل ذلك عبر تلفزيون لبنان والمحطات الخاصة.
انضم لبنان عام 1947 الى اتحاد برن لحماية الآثار الأدبية والفنية، ووقع عام 1959 على الإتفاق العالمي لحماية حقوق المؤلف (UCC)، كما أبرم لاحقًا الإتفاق المتعلق بحماية فناني الأداء ومنتجي التسجيلات الصوتية وهيئات الإذاعة، المعروف بمعاهدة روما لعام 1961.
كما التزم لبنان باتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية (TRIPS 1994) في سياق انضمامه إلى منظمة التجارة العالمية، وتعهد، بموجب إتفاقية الشراكة مع الإتحاد الأوروبي، بالإنضمام إلى معاهدتي الويبو المتعلقتين بحق المؤلف (WCT) وبالأداء والتسجيل الصوتي (WPPT). وقد وقعت هذه الإتفاقية في 17 حزيران 2002، وصادق عليها مجلس النواب في 2 كانون الاول 2002، ودخلت الاتفاقية الإنتقالية حيز التنفيذ في 1 آذار 2003.
غير أن هذه الالتزامات بقيت، بمعظمها، التزامات شكلية لم تترجم إلى منظومة وطنية فاعلة لحماية الحقوق.
أما قانون 75 الصادر عام 1999، لحماية الملكية الأدبية والفنية والحقوق المجاورة، أي حقوق الأداء العلني للممثل والموسيقي والمغني، ليحل محل الباب السابع من قانون 1924. وقد استلهم هذا القانون أحكامه من اتفاقيات برن وروما وتريبس ومعاهدات الويبو، وأخذ بعين الإعتبار تطور تكنولوجيا المعلومات والقطاع السمعي البصري.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل طبق هذا القانون؟
بعد أكثر من 25 عامًا، الجواب واضح: لا.
لم تنشئ الدولة البنية التنفيذية اللازمة لتطبيقه.
لم تُفرض رقابة جدية على استثمار المصنفات. لم تُطبق العقوبات المنصوص عليها. لم تُحم حقوق المؤلفين، ولا حقوق فناني الأداء، من مغنين وممثلين وعازفين.
ولم تضع الجهات المختصة، أي آلية شفافة لتحصيل الحقوق أو توزيعها.
القانون بقي نصًا معلقًا، يٍستخدم في الخطابات الرسمية والتقارير الدولية، ويغيب تمامًا في الواقع اليومي لأصحاب الحقوق.
يحاول البعض اللعب والاحتيال اللاأخلاقي، في الاستناد إلى قرارات تطبيقية جزئية، كالقرار الصادر عام 2002 المتعلق بنسخ برامج الحاسوب من المؤسسات التعليمية وغير الربحية، للدلالة على نفاذ القانون. غير أن هذه القرارات تبقى محدودة النطاق وتبقى الإستثناء، ولا تشكل بأي حال دليلاً على تنفيذ شامل ومتكامل للقانون، ولا سيما في ما يتعلق بالحقوق المجاورة، وعائدات البث، والشفافية، والتحصيل، والتوزيع.
والأخطر من كل ذلك، أن الدولة تستخدم عبارة “دخل حيز التنفيذ” كغطاء سياسي وقانوني، لتبرئة نفسها من فشلها التنفيذي، ولتحميل الفنانين والمؤلفين مسؤولية ضياع حقوقهم، وكأن المشكلة في أصحاب الحقوق لا في الإدارة العامة المقصرة.
الإنضمام إلى اتفاقية دولية لا يعني احترامها. والتوقيع لا يساوي الالتزام. والقانون بلا تطبيق فقانون ميت. حين تقول الدولة إن القانون نافذ، وهي تعلم أنه معطل، فإنها تكذب وتهين الجماهير وتستمر في فسادها.
وهذا الوهم ليس بريئًا، بل دمر قطاعًا إبداعيًا كاملا، وحول الإبداع من ثروة وطنية محتملة الى عبء مهمل.
نضال الأحمدية
الوثائق قبل ان يعدلوا هذا اذا قرأوا واهتموا ان يعتذروا من الشعب اللبناني 👇





