لماذا النار في الخيال الديني؟
هل النار الأقسى آلامًا رغم انها ليست كذلك.
إذًا لماذا جُعلت جهنم حمراء؟ ماذا يقول العلماء؟
اللون الأحمر في كل الموروثات القديمة، لون الحياة والموت معًا: لون الدم، النار، والعاطفة القصوى.
حين استُخدم بوصف جهنم، لم يُقصد به اللون فقط، بل الانفعال الحسي والنفسي الذي يخلقه في الإنسان.
اللون الأحمر يثير الجهاز العصبي، يزيد من ضربات القلب، ويرمز إلى الخطر والتهديد والحرارة.
أي عكس السلام والبرودة والجنة التي توصف غالبًا بالخضرة والماء والظل.
من الناحية الرمزية، الأحمر هو:
• لون العقاب الحيوي، أي العذاب الذي لا يزال فيه الجسد حيًّا ويتفاعل.
• لون العدالة الغاضبة، كما في الأساطير البابلية والزردشتية، حيث كانت النار وسيلة تطهير وليست فقط تعذيب.
ثانيًا: هل الاحتراق بالنار أقسى الألم؟
العلم الحديث يجيب بطريقة دقيقة: عند الاحتراق الكامل، يفقد الإنسان الإحساس بعد ثوانٍ قليلة لأن النهايات العصبية تتلف.
لكن عند الاحتراق الجزئي، فالألم مروّع لأنه يمسّ طبقات الجلد حيث تتركّز الأعصاب.
لذا في التجربة البشرية، النار أشدّ ما يمكن تصوّره من ألم فوريّ متصل.
ثالثًا: في الخيال الديني والفلسفي
الفلاسفة الصوفيون والمسيحيون، رأوا النار رمزًا للتحول لا للانتقام: عند الغزالي وابن عربي، النار تُصفّي النفس من شوائبها لتصل إلى الحقيقة.
• وعند دانتي في “الكوميديا الإلهية”، ألوان الجحيم تتدرج من الأحمر إلى الأسود، تعبيرًا عن الانتقال من ألم الحس إلى ألم الوعي.
فالخوف من النار ليس فقط خوفًا من الاحتراق الجسدي، بل من الانكشاف أمام الذات، كأنها نار التطهير من الجهل لتأخذنا الى الوعي نفسه حين يرى كل شيء بلا حجاب.
رمزية النار عبر ثلاث ديانات كبرى، الزرادشتية، المسيحية، والإسلام — لنفهم كيف تحوّلت من نور إلهي مطهّر إلى رمز للعذاب الأبدي.
أولًا: الزرادشتية — النار كطُهر ونور الحقيقة
قبل الديانات الإبراهيمية بقرون، كانت النار في الزرادشتية (دين النبي زرادشت في فارس القديمة) رمزًا للعدالة الإلهية والمعرفة.
• كانت تسمّى Atar أي (النار المقدّسة)، وهي تجسيد مباشر لـ”أهورامزدا”، إله النور والحق.
• لم تكن النار تُستخدم للعقاب، بل للتطهير: من يمرّ عبرها يُطهَّر من الكذب والشرّ.
• لذلك ظلّت المعابد الزرادشتية حتى اليوم تُعرف باسم (بيوت النار)، حيث تُحفظ شعلة لا تنطفئ كرمز للحقّ المستمر.
إذًا، الأصل الفلسفي للنار كان روحيًا معرفيًا، لا جحيميًا.
ثانيًا: المسيحية، النار كدينونة ونور في آنٍ معًا. في العهد الجديد، تتخذ النار وجهين متناقضين:
1. وجه العقاب:
• (النار الأبدية) في إنجيل متّى (25:41)، عقوبة للأشرار، يصفها النص بأنها نار أُعدّت لإبليس وملائكته.
• النار هنا ليست مجرد حرّ، بل انفصال عن المحبة الإلهية؛ أي عذاب نفسي وجودي.
2. وجه النعمة:
• في يوم العنصرة، نزل الروح القدس على التلاميذ كألسنة من نار، هنا النار صارت وسيطًا للوحي والنور، ترمز إلى حضور الله في القلب.
إذن، المسيحية جمعت بين النار المُطهِّرة والنار المعاقِبة، كلاهما وجهان للحب الإلهي: من يقبله يتنقّى، ومن يرفضه يحترق
ثالثًا: الإسلام — النار كعدالة وكشف: في الإسلام، النار (جهنم) توصف في القرآن بتفاصيل حسّية قوية جدًا، لكنها ليست فقط للترهيب، بل للعدالة الكونية:
• هي “جزاء بما كانوا يعملون”؛ أي أنها انعكاس لأفعال الإنسان نفسه.
• بعض المفسّرين مثل الفخر الرازي وابن عربي رأوا فيها تجسيدًا للذنوب، كلّ ذنب يتحوّل إلى نار خاصة به.
• بينما رأى المتصوفة أن النار الحقيقية هي نار الندم والبعد عن الله، لا نار الجسد.
يقول ابن عربي: النار حجابٌ من النور، وما يعذّب إلا البعد.
وهذا يعني أن جهنم ليست مكانًا بل حالة وعي: أن تدرك الحقيقة متأخرًا.
جهمم إذًا ليست لونًا أحمر فقط، بل لغة كونية تعبّر عن التحوّل: من الظلام إلى الوعي، من الكذب إلى الصدق، من الغفلة إلى الحقيقة
سارة عسراوي

