لفهم التحول اللافت في الخطاب السياسي الأمريكي تجاه إسرائيل، وظهور انتقادات علنية من شخصيات بارزة مثل دونالد ترامب، وجيه دي فانس، وشخصيات ديمقراطية مثل هيلاري كلينتون تجاه بعض سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لا يمكن النظر إلى هذه التطورات باعتبارها مجرد خلافات سياسية عابرة.
فما نشهده قد يكون جزءًا من تحول أوسع يتعلق بتغير موازين القوة في العالم، وانتقال النظام الدولي من مرحلة ركزت بدرجة كبيرة على القوة العسكرية والصراعات الإقليمية إلى مرحلة جديدة تلعب فيها التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والبنية التحتية دورًا متزايدًا.
لفهم هذا التحول، يجب أولًا النظر إلى طبيعة العلاقة بين الدولة ورأس المال، لأن طريقة توزيع القوة الاقتصادية والسياسية تختلف من نظام إلى آخر.
لماذا ارتدى بوتين الزي العسكري؟ هل اقتربت الحرب العالمية الثالثة؟
النموذج الأول: الدولة التي تكون فيها الحكومة هي صاحبة القرار الأعلى
نموذج، تكون الدولة والحكومة في موقع القيادة، بينما تعمل الشركات ورأس المال ضمن الإطار الذي تحدده الدولة. بمعنى آخر، تكون الشركات خاضعة بدرجة كبيرة للأولويات الوطنية والسياسات الحكومية.
ويُشار غالبًا إلى دول مثل الصين وروسيا وإيران كأمثلة على أنظمة يكون فيها للدولة نفوذ قوي على الاقتصاد، حيث تستطيع الحكومات توجيه الشركات الكبرى، ووضع الأولويات الاقتصادية والاستراتيجية، والتدخل عندما ترى أن مصالح الدولة تتطلب ذلك
النموذج الثاني: النموذج الرأسمالي الغربي، وخصوصًا النموذج الأمريكي
في هذا النموذج، تلعب الشركات ورأس المال الخاص دورًا أكثر استقلالية وتأثيرًا. فالشركات الكبرى، والمؤسسات المالية، والمستثمرون الكبار يمتلكون نفوذًا كبيرًا في تشكيل الاقتصاد، وفي التأثير على السياسات العامة من خلال الاستثمار، والضغط السياسي، وتمويل الحملات الانتخابية.
ومن وجهة نظر بعض المحللين، فإن العلاقة في الولايات المتحدة قد تبدو معكوسة مقارنة بالنموذج الأول؛ حيث لا تتحكم الحكومة دائمًا في رأس المال، بل تتأثر القرارات السياسية بدرجة كبيرة بمصالح الشركات والأسواق والمؤسسات المالية.
ومن هنا ظهر نقاش كبير حول طبيعة النظام الأمريكي: هل تتحكم الحكومة في رأس المال، أم أن رأس المال أصبح يمتلك تأثيرًا كبيرًا على توجهات الحكومة؟
نضال الأحمدية: هل يهاجم الجولاني لبنان؟
القوى الثلاث التي تشكل مستقبل العالم
لفهم التحولات الحالية، يمكن النظر إلى ثلاثة قطاعات رئيسية تمثل مراكز قوة مختلفة:
أولًا: القطاع المالي
يمثل القطاع المالي القوة المرتبطة برأس المال العالمي.
ويشمل:
البنوك الكبرى.
وول ستريت.
Vanguard وBlackRock وState Street. شركات إدارة الأصول العملاقة مثل
هذه المؤسسات تدير تريليونات الدولارات وتمتلك حصصًا كبيرة في آلاف الشركات حول العالم، مما يمنحها تأثيرًا واسعًا على الأسواق والاستثمارات والاقتصاد العالمي
ثانيًا: القطاع الصناعي العسكري
يمثل القوة المرتبطة بالصناعات الدفاعية والإنفاق العسكري.
ويشمل:
شركات صناعة الأسلحة.
شركات الدفاع.
المؤسسات المرتبطة بالميزانيات العسكرية.
مشاريع إعادة الإعمار بعد النزاعات.
ومن هنا ظهر مفهوم “اقتصاد الحروب المستمرة”، حيث تصبح الصراعات جزءًا من دورة اقتصادية قائمة على الإنفاق العسكري
ثالثًا: القطاع التكنولوجي
يمثل القوة الصاعدة في النظام العالمي الجديد.
ويشمل:
شركات الذكاء الاصطناعي.
شركات التكنولوجيا الكبرى.
شركات أشباه الموصلات.
مراكز البيانات.
البنية التحتية الرقمية.
وهذا القطاع يختلف عن القطاع العسكري في نقطة أساسية: فهو يحتاج إلى الاستقرار.
فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى طاقة، وسلاسل إمداد مستقرة، واستثمارات طويلة الأجل، وبيئة عالمية يمكن التنبؤ بها.
وهنا يظهر التوتر بين نموذجين اقتصاديين:
نموذج يستفيد من استمرار الصراعات.
ونموذج يحتاج إلى تقليل الصراعات من أجل بناء اقتصاد المستقبل
لماذا رفضت اسرائيل الدخول السوري الى لبنان
من اقتصاد الحروب إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي
قد يكون العالم أمام مرحلة انتقالية من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على القوة العسكرية والصراعات الطويلة إلى نموذج يعتمد على التكنولوجيا والاستثمار والبنية التحتية.
لكن أي انتقال تاريخي يحتاج ليس فقط إلى تغيير اقتصادي، بل أيضًا إلى شخصيات سياسية قادرة على تقديم هذا التحول للرأي العام.
وهنا يظهر اسم جيه دي فانس باعتباره أحد الشخصيات المرتبطة بالتيار الجديد داخل السياسة الأمريكية.
فخلفيته في عالم الاستثمار، وعلاقته بشخصيات من وادي السيليكون مثل بيتر ثيل، جعلته مرتبطًا بخطاب يركز على:
المنافسة التكنولوجية مع الصين.
إعادة بناء الصناعة الأمريكية.
تقليل الانخراط في الحروب الطويلة.
التركيز على المصالح الاقتصادية المستقبلية.
الشرق الأوسط: نقطة التقاء بين نموذج القوة العسكرية واقتصاد المستقبل
في قلب هذا التحول العالمي يقف الشرق الأوسط باعتباره نقطة التقاء بين مصالح الولايات المتحدة، ودول الخليج، وإيران، وإسرائيل. فالولايات المتحدة تحاول الموازنة بين إرثها العسكري التقليدي وبين التركيز على المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية مع الصين، بينما تسعى دول الخليج إلى تحويل ثرواتها من الطاقة إلى استثمارات مستقبلية في التكنولوجيا والبنية التحتية، مما يجعل الاستقرار الإقليمي عنصرًا مهمًا لمصالحها. أما إيران، فتمتلك أوراق قوة استراتيجية تتمثل في موقعها الجغرافي ومواردها من الطاقة، وهو ما يدفع بعض الأطراف إلى البحث عن تسويات بدل استمرار المواجهة المفتوحة. وفي المقابل، تواجه إسرائيل نقاشًا متزايدًا حول دورها التقليدي كقوة أمنية في المنطقة، خاصة في ظل مرحلة جديدة تعطي أهمية أكبر للاستقرار والتنمية الاقتصادية.
إسرائيل ونتنياهو: هل تتغير طبيعة التحالف مع الولايات المتحدة؟
يطرح هذا التحول سؤالًا حول ما إذا كانت واشنطن ستعيد تقييم علاقتها بالقيادة الإسرائيلية الحالية، أو ستسعى إلى تشجيع توجه سياسي أكثر توافقًا مع أولوياتها الجديدة. وتبدأ بالضغط من أجل تغيير سياسي أو دعم قيادة إسرائيلية مختلفة تتبنى نهجًا أكثر توافقًا مع مرحلة الاستقرار وإعادة بناء الاقتصاد الإقليمي؟
نضال الاحمدية للصغار: تاريخ لبنان مع اسرائيل في 10 دقائق- فيديو
جيه دي فانس: رمز التحول نحو نموذج أمريكي جديد
يرى بعض المحللين أن جيه دي فانس يمثل أحد الوجوه السياسية القريبة من التيار الذي يعطي الأولوية للمنافسة الاقتصادية والتكنولوجية، وأن مواقفه الأكثر حذرًا تجاه التدخلات العسكرية تعكس توجهًا نحو سياسة خارجية أكثر تركيزًا على المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد. بما يسمح للولايات المتحدة بالتركيز على أولويات أكبر مثل المنافسة مع الصين، والتفوق التكنولوجي، وإعادة بناء الاقتصاد الصناعي
وفي ملف إيران، يرى مؤيدو هذا الاتجاه أن الاتفاقات والاحتواء قد تكون أكثر فاعلية من استمرار المواجهة المفتوحة، خاصة بعد عقود من العقوبات والضغوط الخارجية التي فشلت في تحقيق هدف تغيير النظام، وأثبتت قدرة إيران على الصمود والحفاظ على نفوذها الإقليمي.

