كم دفع لبنان ثمن الصراع مع إسرائيل؟
حين نتحدث عن كلفة الصراع مع إسرائيل في لبنان، عادة نكتفي بعدد الشهداء والجرحى والمباني المدمرة.
لكن الاقتصاد يروي حكاية أخرى وأكثر قسوة، لأن الأمم لا تخسر فقط ما يُدمَّر، بل ما كان يمكن أن تبنيه ولم تبنه.
إذا أخذنا تقديرا محافظا للكلفة التي تحملها لبنان بصورة مباشرة وغير مباشرة منذ احتلال إسرائيل لفلسطين في العام 1948، من حروب واحتلالات واعتداءات وإعادة إعمار وتراجع استثمارات وهجرة كفاءات وتكاليف أمنية وارتفاع الدين العام الناتج عن عدم الاستقرار المزمن، فإننا نتحدث هنا عن عشرات المليارات من الدولارات، وربما أكثر بكثير.
هنا سنبقى عند مثال متواضع: ماذا لو امتلك لبنان فقط 100 مليار دولار إضافية لم تُهدر في تداعيات الصراع؟
100 مليار دولار كانت تكفي لبناء عشرة آلاف مدرسة حديثة، إذا احتسبنا كلفة المدرسة الواحدة بعشرة ملايين دولار.
وكانت تكفي لبناء 100 جامعة كبرى بمواصفات عالمية إذا احتسبنا كلفة الجامعة الواحدة بمليار دولار.
وكانت تكفي لإنشاء 400 مستشفى حديث إذا احتسبنا كلفة المستشفى الواحد بـ250 مليون دولار.
وكانت تكفي لإنشاء 1000 مركز أبحاث متطور بكلفة مئة مليون دولار للمركز الواحد.
أما إذا نظرنا إلى المنطقة كلها، حيث تشير التقديرات إلى أن الحروب والصراعات والتسلح المرتبطين بصراعات الشرق الأوسط استنزفوا ما بين 20 و30 تريليون دولار خلال العقود الماضية، فإن الصورة تصبح أكثر صدمة.
20 تريليون دولار كانت تكفي لبناء مليوني مدرسة حديثة.
و30 تريليون دولار كانت تكفي لبناء ثلاثين ألف جامعة كبرى. وكانت تكفي لبناء ما بين 80 ألفاً و120,000 مستشفى حديث.
وكانت تكفي لإنشاء مئات آلاف مراكز الأبحاث العلمية والطبية والتكنولوجية.
السؤال ليس إن كانت هذه الأرقام دقيقة إلى آخر دولار، بل ماذا تقول لنا؟
تقول إن الشرق الأوسط لم يكن فقيرا بالموارد، بل فقيرا بالاستقرار. لم يكن يفتقر إلى المال بقدر ما افتقر إلى فرصة تحويل المال إلى معرفة.
كل صاروخ أُطلق كان مدرسة لم تُبنَ. وكل حرب اندلعت كانت مستشفى تأخر افتتاحه. وكل جولة قتال جديدة كانت منحة جامعية ضاعت، أو مختبراً أُغلق، أو باحثاً هاجر.
لذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط كم دفع لبنان بمواجهة إسرائيل، بل ماذا كان يمكن أن يصبح لو لم يدفع هذه الفاتورة الهائلة على مدى ثلاثة أرباع قرن.
ثمن الحرب لا يُقاس بعدد المباني التي سقطت، بل بعدد الأحلام التي لم تولد أصلاً.
نضال الاحمدية

