بين أُجراء الداخل واعتراف الكبار: المقاومة في ميزان الإعلام العالمي.. الجيش الهجين الذي كسر قواعد الحروب
في الوقت الذي تستهلك فيه بعض المنابر المحلية اللبنانية طاقتها في محاولات بائسة، لتقزيم المقاومة وحصرها في مصطلح الميليشيا المحظورة، يخرج الإعلام العالمي الرصين، ومعاهد الدراسات الاستراتيجية الكبرى، ليرسموا صورة مغايرة تماما. هناك، حيث تُطبخ السياسات الدولية، لم يعد أحد يستخدم لغة الهواة أو أُجراء الميكروفونات، بل استقر المصطلح العلمي والعسكري عند توصيف واحد وهو: الجيش الهجين (Hybrid Army) الأكثر تطورا في التاريخ الحديث.
ما هو الجيش الهجين في قاموس الكبار؟
عندما تصف صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) الأمريكية المقاومة بأنها جيش هجين، فهي تقر بواقع عسكري فريد: قوة تمتلك انضباطا وهيكلية وتكنولوجيا الجيوش النظامية (صواريخ دقيقة، مسيرات انتحارية، حرب سيبرانية)، لكنها تتحرك بمرونة وتكتيكات حرب العصابات التي لا يمكن اصطيادها من الجو.
لقد ذهبت صحيفة الغارديان (The Guardian) البريطانية أبعد من ذلك، واصفة الحزب بأنه القوة غير الحكومية الأكثر تسليحاً في العالم، وكتبت إن ما تمتلكه هذه المقاومة من ترسانة صاروخية وخبرة ميدانية هجينة (اكتُسبت من حروب المدن والجبال) يفوق قدرات جيوش دول أوروبية مجتمعة.
اعترافات العدو: كابوس في الداخل الإسرائيلي
المفارقة المذهلة هي أن الصحافة الإسرائيلية، التي يراقبها العالم ليفهم حقيقة الميدان، هي الأكثر اعترافا بقوة هذه المقاومة، بينما “أتخن رأس” في إعلامنا المأجور يحاول إنكارها.
صحيفة “هآرتس” (Haaretz): وصفت الحزب مرارا بأنه: العدو الأكثر كفاءة وصلابة، معتبرة أن قواعد الاشتباك التي فرضتها المقاومة جعلت من شمال إسرائيل منطقة مشلولة استراتيجيا، وهو اعتراف صريح بفرض معادلة الردع.
صحيفة يديعوت أحرونوت (Yedioth Ahronoth): ركزت في تحليلاتها على متاهة الرعب تحت الأرض، واصفة شبكة الأنفاق بأنها معجزة هندسية وعسكرية تتجاوز في تعقيدها كل ما عرفه التاريخ العسكري المعاصر، مؤكدة أن هذه المقاومة لا تقاتل بالسلاح فقط، بل بـ العقل الاستراتيجي.
صحيفة “معاريف” (Maariv): اعترفت صراحة بأن الحزب انتقل من مرحلة الدفاع إلى مرحلة شل المرافق الحيوية، (مطارات، منصات غاز، ومراكز قيادة) في عمق تل أبيب، ما يفسر الحذر الإسرائيلي الشديد من الانجرار إلى مواجهة شاملة.
الكيان الموازي برؤية (لوموند ووول ستريت) بعيدا عن الميدان العسكري، غاصت صحيفة (Le Monde) الفرنسية بمفهوم الدولة داخل الدولة، واصفة المقاومة بأنها كيان صلب (Entity) يمتلك منظومات صحية وتربوية ومالية أثبتت صمودا أسطوريا أمام انهيار الدولة اللبنانية الرسمية. أما صحيفة (وول ستريت جورنال The Wall Street Journal)، فقد ركزت على الإعلام الحربي للمقاومة، معتبرة أن قدرة الحزب على إدارة حرب الصورة والخبر السريع والموثق جعلت من إعلامه سلاحاً ذكيا يهزم البروباغندا الغربية بصدقية عالية.
المفارقة المخزية: الموظف المأمور مقابل المحلل الدولي: هنا تكمن المأساة، فبينما يرتعد جنرالات تل أبيب من الجيش الهجين، وينشغل محللو واشنطن وباريس بدراسة نموذج المقاومة اللبنانية كأخطر تحدٍ عسكري في القرن الواحد والعشرين، يخرج علينا موظف مأجور في قناة ما، يتقاضى راتبه من دول لا تملك قرارها، ليصف هذه القوة بـ الميليشيا.
الفرق بينهما بسيط:
1. المحلل العالمي: يقرأ واقع الميدان وصور الأقمار الصناعية ليفهم كيف تغيرت توازنات القوى.
2. الموظف المحلي: يقرأ من ورقة التعليمات التي تصله مع الحوالة المالية، ليبيع الأوهام لجمهور مغيب.
لقد تجاوزت المقاومة في لبنان مرحلة الحاجة لشهادات حسن سلوك من أبواق الداخل. العالم كله يعترف بوجود جيش هجين فرض نفسه كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية أو أمنية في المتوسط. أما هؤلاء الذين ينكرون الشمس في وضح النهار، فليسوا سوى صدى لأصوات أسيادهم الذين يدركون قبل غيرهم، أن زمن استباحة لبنان قد ولى إلى غير رجعة بفضل هذه القوة الهجينة الصارخة.
نضال الاحمدية

