تتأرجح الدراما التركية الحديثة على نتفليكس بين مسارين أحلاهما مر للأسف:
مسار التلفزيون المحلي المُثقل بالمط والتكرار، ومسار المنصات الرقمية العالمية التي تُفرغ الأعمال التركية من روحها الشرقية بحجة العصرية والنخبوية.
وفي هذا الإطار مثلاً، تُقدم الممثلة إلتشين سانجو نموذجًا دراميًا، رأيناهما من خلال تجربتين خاضت فيهما غمار السيكودراما، والاضطرابات النفسية المعقدة: الأولى في “Çöp Adam” (رجل العصا، أو العصا الحمراء)،والثانية في “Seni Tanıyorum” (أعرفك) على منصة نتفليكس.ورغم تقاطع العملين في دائرة ضيقة وهي الهشاشة النفسية والعقد المترسبة من الماضي، إلا أن النتيجة جاءت متناقضة تماما، حيث صنع الأول تجربة درامية تركية مدهشة ومتماسكة، بينما سقط الثاني في التكرار وغياب الجمالية التي أحاطت بمسلسل رجل العصا..
اقرأ: مسلسل وادي الذئاب لماذا اوقف بعد الإنقلاب؟“رجل العصا”: عمل سيكودرامي رائعفي مسلس (رجل العصا) التزم الكاتب بهوية البيئة التركية. القصة التي جمعت إلتشين سانجو ب إنجين ألتان دوزياتان انطلقت من حبكة غريبة وشديدة الجرأة: رجل ثري (تامر) يمتلك كمية من العِِقد النفسية السحيقة من طفولته، يختطف امرأة منهارة نفسيا (بيري) ويحتجزها في قبو قصره، لا ليؤذيها، بل ليحميها من العالم!سر نجاح هذا العمل كان في غرابة الفكرة، وفي عمق البناء النفسي للشخصيات. استطاع المسلسل أن يستغل “متلازمة ستوكهولم” ويعرض علينا تفاصيل التروما الأسرية دون أن يفقد نبضه الشرقي، ظل الحوار شاعرياً، والتوتر العاطفي مبنياً على النظرات والامتناع، والإيقاع مشدوداً دون الحاجة لاستعراض مجاني أو محاكاة للغرب. لقد بقيت الدراما “تركية جداً”، ولهذا السبب تحديداً جاءت النتيجة مدهشة، باهرة، وحاضرة في أذهان الجمهور.
اقرأ: المدينة البعيدة.. هل شوهت الدراما البلاد التي بناها اتاتورك“Seni Tanıyorum”: كليشيهات نتفليكس والتغرب الفنيعلى الجانب الآخر، يأتي مسلسل (أعرفك) على نتفليكس ليعكس أزمة هوية لدى التركي حين يعمل لصالح منصات عالمي..
استند العمل إلى فكرة كلاسيكية ومستهلكة عالمياً (المربية ذات الماضي المظلم التي تتسلل إلى حياة زوجين)، وحاول تقديم نفسه في قالب إثارة نفسية نخبوية، لكنه وقع في الفخ نفسه الذي تقع فيه معظم أعمال المنصات الحديثة:1. البرودة بدلاً من العمق:
تبنى المسلسل الإيقاع السريع والجمود العاطفي لإعطاء انطباع بالغموض، فجاءت الأحداث باردة والتصرفات غير منطقية درامياً.2. المباشرة وقتل التوتر:
الاعتماد على الجرأة الصريحة والمشاهد المقحمة أفقد العمل “فن الإيحاء” الذي طالما تميزت به الدراما التركية.
اقرأ: تشريح جثة النجمة التركية3. غياب الهوية:
بدا المسلسل وكأنه نسخة باهتة ومترجمة عن أفلام الإثارة الأمريكية الاقتصادية، بلا روح ولا جذر ثقافي يربطه بالمشاهد.
الدراما لا تُبنى على الأداء وحدهتُظهر هذه المقارنة أن أداء إلتشين سانجو المتمكن -والتي برعت في جسيد المرأة المضطربة في العملين- ليس كافياً لإنقاذ نص مفرغ من روحه. فبينما وجدت في “Çöp Adam” نصاً متيناً وشريكاً بارعاً بحجم إنجين ألتان وإخراجاً يحترم كلاسيكيات الحكاية الشرقية، غرق أداؤها في “Seni Tanıyorum” داخل حبكة واهية تسعى لإرضاء خوارزميات المنصة الرقمية قبل ذائقة المشاهد.نجاح الدراما التركية لم يكن يوماً في تقليد الغرب أو ادعاء النخبوية بالاستسهال الشكلي، بل كان دائماً في شجاعتها في تقديم عواطفها الصارخة وحكاياتها الملتصقة بالإنسان ونسيجه الاجتماعي. ويبقى “Çöp Adam” شاهداً على أن الدراما النفسية يمكن أن تكون عميقة ومبتكرة دون أن تتنازل عن هويتها، فيما يظل “Seni Tanıyorum” تذكيراً دائماً بأن الانسلاخ عن الجذور لا ينتج سوى أعمال باهتة تُنسى بمجرد إغلاق الشاشة.

