
أنا فأرة مكتبات.. قرأت في حياتي أكثر مما يمكن أن أتذكر الأسماء. قرأت عن النساء اللواتي ناضلن، وكتبن، ودفعن أثمان مواقفهن، واللواتي سبقن أزمنتهن وقرأت نصوصًا ادبية للمبدعين في العالم ونصوص سياسية وروايات عالمية اهمها الرواية اللاتينية. قرأت عن أديبات ومناضلات وصحافيات ونساء ورجال تركوا أسماء ذهبية لا تصدأ.
وفي التاريخ الذي عشته، كما في التاريخ الذي قرأت عنه، لم أعرف مثل مريم البسّام.لا أقول لم أعرف إعلامية مثلها فقط، ولا كاتبة مثلها فقط. أقول: لم أعرف إنسانة مثلها أيضًا وعلى كل المستويات.
إقرأ: لماذا اختفت أغاني فضل شاكر رغم اكتساحها؟في مريم شيء يصعب جمعه في شخص واحد.إنها الأمّ المتفانية، وإلى الحد الذي تنسى فيه حقوقها. رفيقة تعطي كل ما عندها، لا ما يفيض عنها. موظفة تستطيع المؤسسة أن تعصرها حتى آخر قطرة من طاقتها، فلا يكون سؤالها: ماذا أخذتُ؟ بل: ماذا بقي عليّ أن أفعل، قبل أن أرحل وكيف أدافع عنهم إن سألوني: كيف استغنوا عنك؟من الذين قرأت لهم بانتظام تقريبًا كان الراحل الكبير طلال سلمان/السفير.. لكن مريم اهم من كل الطلالات، ليست تكتب مقالًا سياسيًا ثم ترشّ فوقه قليلًا من الأدب. حين تكتب تهز رأسك طربًا.. في نصها زياد الرحباني وفيلمون وملحم وعاصي ومنصور وفيروز والصبوحة بل تسافر الى القصبجي واسمهان وام كلثوم.. في رأسها مكتبة سياسية وموسيقى وكل المسرح الغنائي اللبناني.
اقرأ: ريما الرحباني ناطورة المفاتيح كما كتبها عاصي الرحبانيالأدب عندها أداة السياسة.تأخذ شوية خبر، فتطلق رشقات من قصيدة. تأخذ اسمًا، فتفككه إلى مرادفات شهية. تستدعي أغنية يعرفها ملايين الناس، ثم تغيّر زاوية الضوء والكادر “كلوز إن.. كلوز آب”، فإذا بها تقول في السياسة ما لا تستطيع عشر فقرات من التحليل أن تقوله.وفي نصها «ليت للبرّاك عينًا» مثلًا، ليس استعراضًا ثقافيًا.. مريم مثل مطرب عظيم يصعد المسرح ليحيي حفله فيستخدم الربيرتوار.. وهكذا مريم لا تستطيع أن تحيي مقالة بدون ريبرتوارها.
من القضاء إلى «البراق»، ومن «الأميركي شاء» إلى الأغنية، ومن البُراق إلى برّاك، ومن العين بوصفها عضوًا يرى إلى العين بوصفها قدرة على أن تبصر الحقيقة.
اقرأ: شمس الكويتية ومريم نور ما الفرق؟مريم لا تقتبس، فقط تستدرج الذاكرة الإيقاعية. وهذه موهبة نادرة لم أعرف مثلها أنا التي واكبت المواهب ل ٤٣ سنة.
السخرية السياسية غالبًا ما تقع في المباشرة، والأدب السياسي قد يقع في الزخرفة، أما عند مريم، فلا قيمة للخبر إلا إذا زغرد له الفن والأدب والأهزوجة والشعر القديم والحديث.مريم تضحك “عالسكيت” وتغضب “عالسكيت” وتشعرك بأمومتها أيضا بصمت، لكن إذا استمعت إليها أو قرأتها تصفعك، وبأعلى ما يكون، فقط يختلف الإيقاع بين حجاز او كورد، أو سيغا او بيات.وقد تمر على إحدى عباراتها مرة فلا تنتبه، ثم تعود إليها لتكتشف أنها نصبت لك فخًا لغويًا قبل ثلاثة أسطر، ولم تفهمه إلا الآن..أهم ما في مريم البسام انها تفترض أن قارئها ذكي. لا تشرح. لا تقول لك: انتبه، لقد صنعت هنا تورية. فقط ترميها وتمشي/قل كلمتك وامضِ ومن التقطها، التقطها والله “يهني”.إعجابي بمريم ازداد بعد أن عرفتها.. الكتابة، مهما عظمت، لا تكفي عندي لصناعة إنسانة عظيمة.عرفت موهوبين لا أحب أن أعرفهم. وعرفت عباقرة لم أتمنَّ يومًا الجلوس معهم، ومبدعين صغُرت صورتهم بعد لقائي بهم.أما مريم وكلما اقتربت منها فتكبر . اجمل نصوص مريم هي نفسها مريم البسّام.

