من أين جاءت الكوفية؟ ولماذا أصبحت فلسطينية وأردنية أكثر من عراقية؟
بعد الجدل الذي أثاره ظهور وائل كفوري بالشماغ الأحمر والأبيض في عمّان، دخل قراء عراقيون على الخط وقالوا لنا: لحظة… الشماغ أصله عراقي!وهنا صار السؤال يستحق أكثر من تعليق:من أين جاءت الكوفية أصلًا؟ من لبسها أولًا؟ وهل هي عراقية أم أردنية أم فلسطينية؟ ولماذا ارتبطت في أذهاننا اليوم بالأردنيين والفلسطينيين أكثر من سواهما؟الجواب يبدأ بمعلومة ربما تحل نصف الخلاف:الكوفية أقدم من الأردن وفلسطين والعراق بحدودها السياسية الحديثة.غطاء الرأس القماشي الذي تنتمي إليه الكوفية والشماغ والحطة والغترة عرفته مناطق واسعة من بلاد الرافدين وبلاد المشرق العربي باستثناء لبنان والجزيرة العربية منذ زمن بعيد، وكانت وظيفته بالأساس كما وظظيفة كل غطاء رأس للمرأة والرجل: حماية الرأس والوجه من الشمس والغبار والرمال والبرد أي أن الإنسان لم يخترعها في البداية ليعلن قوميته أو موقفه السياسي. لبسها كي يحمي نفسه من وتقلبات الطقس !
اقرأ: اليسا على اللائحة السوداء في قرطاجهل أصل الكوفية عراقي؟توجد حكاية شائعة تربط الكوفية ببلاد الرافدين، بل يذهب البعض إلى السومريين، وتنتشر رواية أخرى تقول إن نقوش الشماغ مستوحاة من شباك الصيد السومرية.وجود أغطية للرأس في حضارات بلاد الرافدين القديمة، يؤكد قِدم هذا الغطاء.وكلمة «شماغ» السومرية الأصل. فأما اسم «الكوفية»، فالرواية الأشهر تربطه بمدينة الكوفة العراقية، ومنها الكوفية.والأكيد أن العراق ليس وافدًا متأخرًا على تاريخ الشماغ.للشماغ والكوفية حضور قديم في العراق، وتوجد صور تاريخية من بدايات القرن العشرين توثق رجالًا عراقيين يرتدون هذا النوع من غطاء الرأس، أي قبل كل الدلالات الوطنية والسياسية التي نحملها له اليوم.
اقرأ: واذل كفوري يرد على إليسا هل نقل الجيش العراقي الكوفية إلى الأردن ثم فلسطين عام 1948؟هذه إحدى الروايات التي وصلتنا في تعليقات القراء، لكنها تصطدم بمشكلة تاريخية واضحة.الكوفية كانت موجودة في فلسطين قبل عام 1948.وهي واحدة من أهم المحطات في تحولها إلى رمز فلسطيني حدثت خلال الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939.أي قبل حرب 1948 بسنوات.لذا تسقط مقولة إن الفلسطينيين عرفوا الكوفية نتيجة وصول الجيش العراقي سنة 1948.قد تكون هناك تأثيرات متبادلة بين العراق والأردن وفلسطين، وهذا طبيعي بين مجتمعات متجاورة عاشت وتاجرت وتحاربت وتصاهرت وانتقلت بينها القبائل والجيوش، لكن انتقال الكوفية إلى فلسطين للمرة الأولى سنة 1948 لا ينسجم مع التوثيق التاريخي.
اقرأ: وائل كفوري كيف تغيرت ملامحة في ٢٥ سنةمتى أصبحت الكوفية فلسطينية؟في فلسطين كانت الكوفية مرتبطة إلى حد كبير بالفلاحين وأهل الريف، بينما شاع الطربوش، أكثر بين سكان المدن.ثم جاءت الثورة الفلسطينية الكبرى ضد الانتداب البريطاني بين 1936 و1939.كان كثير من الثوار من أبناء الريف يرتدون الكوفية، وأصبح غطاء الرأس أيضًا وسيلة تساعد على إخفاء هوية المقاتلين.فانتشرت الكوفية وتحولت قطعة لباس من علامة اجتماعية وريفية إلى علامة وطنية.لم تعد تقول: «أنا فلاح». بدأت تقول: «أنا فلسطيني».وفي العقود التالية، خصوصًا مع صعود الحركة الوطنية الفلسطينية والفدائيين ثم الصورة العالمية لياسر عرفات بكوفيته السوداء والبيضاء، تحولت الكوفية إلى أحد أشهر الرموز الفلسطينية في العالم.ماذا عن الأردن؟
إقرأ: وائل كفوري ينتصر على طليقته قضائيًافي الأردن حدث تحول مشابه، لكن بهوية بصرية مختلفة. أصبح الشماغ الأحمر والأبيض واحدًا من أكثر العلامات وضوحًا للهوية الأردنية، وارتبط بالبادية والعشائر والجيش والدولة والملكية والمناسبات الوطنية والاجتماعية.ولذا عندما ظهر وائل كفوري في عمان مرتديًا الأحمر والأبيض، كان رد فعل عشرات الأردنيين على منشورنا سريعًا: «اسمه شماغ أردني».ومن وجهة نظر الهوية الأردنية المعاصرة، نفهم تمامًا لماذا أصروا على التسمية.هم لا يناقشون بالضرورة أين ظهرت أول قطعة قماش مشابهة قبل مئات أو آلاف السنين.بل يقولون إن هذا الشكل واللون والدلالة أصبح جزءًا من هويتهم الوطنية.لكن لماذا نظن أن الأردنيين والفلسطينيين وحدهم يرتدونه؟ليسوا وحدهم أصلًا. العراقيون ارتدوا الشماغ والكوفية، وكذلك عرفت الجزيرة العربية والخليج وبلاد الشام أشكالًا مختلفة من عائلة غطاء الرأس نفسها.
اقرأ: وائل كفوري الأعلى سعرا بين تامر حسني ومحمد رمضانلكن الأسماء اختلفت: شماغ، كوفية، حطّة، غترة…ما حدث في فلسطين والأردن تحديدًا هو أن قطعة اللباس اكتسبت قوة رمزية وطنية استثنائية.في فلسطين ارتبط الأسود والأبيض بالقضية والنضال والهوية الوطنية.وفي الأردن أصبح الأحمر والأبيض علامة أردنية شديدة الوضوح.وهكذا تفوقت الدلالة الحديثة على التاريخ القديم للقطعة.إذًا.. لمن الكوفية؟
اقرأ: وائل كفوري بريء من قصة إليساالكوفية السوداء والبيضاء أصبحت رمزًا فلسطينيًا عالميًا. والشماغ الأحمر والأبيض أصبح رمزًا أردنيًا راسخًا. والعراق يملك بدوره تاريخًا قديمًا وحقيقيًا مع الشماغ لا يجوز إسقاطه من الحكاية.وهنا نفهم لماذا انفجرت التعليقات على صورة فنان يرتدي قطعة قماش! لأنها ليست قطعة قماش فقط.داخل مربعاتها وخطوطها يوجد تاريخ الريف والبادية، والعشائر والجيوش والثورات والحدود والهويات.وربما أجمل ما كشفته صورة وائل كفوري أن شعوب هذه المنطقة قد تختلف على ملكية الرمز، بينما يكشف تاريخ الرمز نفسه مقدار ما يجمع بينها.
بدأنا بخبرية صغيرة: هل أراد وائل كفوري توجيه رسالة إلى إليسا؟وانتهينا نسأل: من أين جاءت الكوفية؟ وها قدمنا الجواب

