يا إلهي، كم هو عظيم هذا الرجل!عاد كاظم الساهر بألبومه الجديد «بلا عنوان»، وكأن الجديد هذه المرة ليس الأغنيات وحدها، بل كاظم نفسه.
تجولت بين صوره بوقت اخذ نسبة كبيرة من وقت الاطلاع على البومه الجديد.. رجل يرفض الإعتذار عن العمر أو ملاطفته أو معالجته بكل المتوفر الآن.. وحين تتجول بين الأغنيات تتوقف ثم تقفز وبانطباع اول ارئ أن أغنية قوة هي الأجمل حتى الآن ربما لأنها تستعيد كاظم الذي دخل لبنان ب (عبرت الشط)
الألبوم الكامل يضم 18 أغنية، تتنقل بين العاطفي والرومانسي الخفيف، والقصيدة واللون العراقي، وتحمل بصمة كاظم بقوة في الكتابة والتلحين.وتضم قائمة الأغنيات: «الحلوين»، «راحت عليك»، «هي قوّة»، «للأبد»، «عشر دوخات»، «سجلتك غياب»، «جمالك»، «ولا أشكي لك»، «تدخنين»، «كله كذب»، «وشم»، «هلو حياتي»، «متى»، «إلا أجيبك»، «تجاهلني»، «أتت»، «هو أنت» و«أحباب».ويكتب كاظم ويلحن عددًا كبيرًا من أغنيات العمل بنفسه، فيما يلتقي في بقية الأغنيات مع أسماء شعرية عراقية وعربية مهمة، بينها الراحل الكبير الشاعر كريم العراقي، ولميعة عباس عمارة، وبشير العبودي، وسعد المسلم، وأسعد الغريري، ويحيى العلاق وعزيز الرسام.أما الموسيقى، فكاظم حاضر في تلحين أغنيات الألبوم بقوة، فيما شارك في التوزيع الموسيقي محب الراوي وميشال فاضل وعثمان عبود وهشام نياز وفاضل فالح وشاكر حسن وغيرهم.
اقرأ: رسالة زياد الرحباني إلى ريماوأنا أتابع كاظم الجديد، توقفت أمام شيء آخر. وجهه.
يطلّ كاظم الساهر اليوم بقامة رجل لا يزال يحتفظ بجسد شاب لأنه رياضي، وبوجه ختيار شهي، ترك للزمن حقّه فيه ولم يدخل معه في حرب.تجاعيده واضحة. حول عينيه، على جبينه، وفي تفاصيل وجهه الذي لم يعد وجه الشاب الذي عرفناه قبل عقود.والغريب الجميل أنها لم تنتقص من وسامته، بل أضافت إليها. حتى إنني أراه اليوم أجمل.ربما لأننا لا ننظر إلى التجاعيد وحدها، بل إلى الصدق الذي وراءها.
اقرأ: كاظم الساهر لم يلتزم الصمت مثلهملم نعرف بين نجوم الغناء العرب من امتلك هذه المصالحة مع عمره. صناعة كاملة تعلّمت أن تخاف من الزمن: شدّ ونفخ وحقن وفلاتر وإضاءة ومحاولات مستميتة لإقناعنا بأن الستين يمكن أن تكون ثلاثين.أما كاظم، فيخرج إلينا بوجه يقول ببساطة: نعم، كبرت. ويا لجماله حين كبر.لماذا أحببنا تجاعيده إلى هذا الحد؟ لأنها ليست تجاعيد رجل استسلم للزمن، بل تجاعيد رجل انتصر على الخوف منه.جسده يقول إنه اعتنى بنفسه، ووجهه يقول إنه عاش.وهذه، ربما، واحدة من أجمل صور الرجولة: أن تحافظ على نفسك من دون أن تمحو تاريخك.
وجهه يكبر.. وفنّه يلعبثم استمعوا إلى «هي قوّة». هنا تظهر حكاية أخرى عن هذا الرجل.الأغنية من كلمات كاظم الساهر وألحانه، وتوزيع عثمان عبود، لكنه لا يدخلها بصفته «القيصر» الذي يتوجب عليه في كل مرة أن يقف أمامنا حاملًا قصيدة كبرى وهيبة كبرى وأوركسترا كبرى.إنه يلعب. واللعب هنا ليس استخفافًا بالفن، بل أعلى درجات الثقة به.
اقرأ: كاظم الساهر لا احتفال وأهلنا تحت القصفكاظم وصل إلى مكانة كان يمكن أن تصبح سجنًا له:
سجين القيصر ومطرب القصيدة، ونزار قباني والوقفة المهيبة، يعني الصورة التي صنعها طوال عقود.وكثيرون حين يصلون إلى مثل هذه المكانة يصبحون أسرى لها. يخاف الفنان أن يغني شيئًا بسيطًا أو شعبيًا أو مرحًا، لأن عليه أن يحرس التمثال الذي صنعه الجمهور له.كاظم في أغنية «هي قوّة» تحديدا مثل الصور.. لا يحرس التمثال.كأنه يقول: لست مضطرًا في كل أغنية إلى أن أثبت لكم أنني كاظم الساهر العظيم. فيغني ويلهو بالإيقاع والكلمة واللهجة، من دون أن يخشى أن تنقص هيبته.وهنا يلتقي فنه بوجهه على نحو مدهش. كما أنه لم يعد مضطرًا إلى إثبات أن وجهه شاب، لم يعد مضطرًا إلى إثبات أن فنه عظيم.العظمة موجودة أصلًا. ولذلك يستطيع أن يترك وجهه يكبر.. وفنّه يلعب.. إنها منتهى الهيبة والحرية.

