نشأتُ في جبهات المعارضة، في تلك الزاويا الضيقة من سوريا التي كان يُقال إنّها “محرّرة”.
رأيتُ قبل صعود هيئة تحرير الشام دولةً صغيرة داخل الدولة، سلطةً تدير الناس بالسلاح، والتصنيف، وبخريطةٍ لا ترسمها الأرض بل الخوف.
ما رأيته هناك، بين الحواجز والمقرّات والمحاكم، أراه اليوم يتكرّر بحجمٍ أكبر، داخل الدولة السورية نفسها.
لهذا أكتب، ولهذا أعارض.
لا أعارض الدين، بل أعارض من جعلوا الدين سلطةً فوق الوطن.
أولًا: حكومةٌ تلبس وجوهًا جديدة لفسادٍ قديم
الحكومة التي جاءت بعد سقوط النظام السابق لم تكن بداية، بل استمرارًا بترتيبٍ جديد.
عاد الفساد نفسه، لكن بثياب انتقال سياسي.
عادت شبكات المحسوبيات، وعاد احتكار الموارد والمساعدات في يد مجموعات محدّدة.
لم تتغيّر الوجوه بقدر ما تغيّر الشعار.
وغياب المحاسبة جعل الفساد امتدادًا طبيعيًا، كأنّ الخراب وراثةٌ تنتقل من سلطةٍ إلى أخرى.
دولةٌ تُؤسَّس على الخراب، لا تُنشِئ وطنًا، بل تعيد تدوير الجريمة.
ثانيًا – «إعلان دستوري» بلا روح وطن
النصّ الذي قُدّم بوصفه “دستور المرحلة الانتقالية” لم يكن دستورًا، ولا وثيقةً جامعة، ولا مشروع عقدٍ اجتماعي.
جاء بلا حضور للقوى المدنية، ولا للأحزاب، ولا للأقليات، ولا للمكوّنات السياسية التي شكّلت سوريا الحديثة.
كان ورقة تمرير، لا ورقة تأسيس لدولة.
ثالثًا – السويداء والساحل: دمٌ بلا قاضٍ
السويداء
احتجاجاتٌ خرجت بصدورٍ عارية.
واجَهَتها السلطة بالرصاص، بالاقتحامات، وبإطلاق النار قرب المستشفى الوطني.
لم تُفتح لجنة تحقيق واحدة. الدم ذهب إلى الأرض بلا اسم.
الساحل المجازر التي تبِعت التوتّرات الطائفية بقيت معلّقة: لا تقرير رسمي، ولا محاسبة، ولا رواية واحدة تقول الحقيقة.
دولةٌ تتجاهل الدم تفتح أبواب الفوضى من جديد.
رابعًا – دمج المقاتلين الأجانب: جيش بلا هوية
قرارٌ أخطر من كلّ الشعارات: دمج مجموعة من المقاتلين الأجانب والمتشدّدين عقائديًا في المؤسسة العسكرية.
النتيجة؟
ولاءات لا تعترف بحدود، عقائد فوق وطنية، خوفٌ يسري في المجتمعات المحلية، وتحوّل الجيش من مؤسسة وطنية إلى جماعات متجاورة بثياب موحّدة.
هذا ليس إصلاحًا، إنه تغيير هوية الدولة نفسها.
خامسًا – إدارة المكوّنات: سياسة الشكّ لا سياسة الدولة
السلطة الجديدة تتعامل مع سوريا كمربّعات أمنية لا كخريطة وطن:
-
قسد ملفّ أمني.
-
الساحل منطقة يجب احتواؤها.
-
السويداء محافظة “غير مضمونة”.
-
الأقليات خطّ أحمر بلا حقوق.
-
العشائر قوة يجب إخضاعها.
-
إسرائيل ملفّ مؤجَّل إلى أجل غير مسمّى.
لا تُبنى الدولة على الشكّ، ولا على الخوف، ولا على تقسيم المواطنين إلى درجات من الولاء.
سادسًا – اقتصادٌ ينهار… وحكومة تُديره كغنيمة
كان يُفترض بالمرحلة أن تكون مرحلة إعادة بناء.
لكن ما حدث كان عكس ذلك: لا قضاء موثوق، لا استثمارات، لا بنى تحتية، ولا ثقة واحدة تربط الناس بالدولة.
إنه اقتصادٌ يُدار من أجل السلطة، لا من أجل الشعب.
سابعًا – شهادة شخصية
قلتُها عبر BBC وقنوات فرنسية: «الحكومة الحالية غير قادرة على التعامل مع ما هو خارج نمطيتها.
وسوريا غير آمنة لكل مختلف.» وأقولها اليوم بأشد الكلمات: السلطة التي عايشتها في مناطق المعارضة. هي نفسها التي تُعاد صياغتها في سوريا الآن، لكن بحجم وطنٍ كامل.
أعارض “سلطة الشرع” لأنني لا أرى فيها وطنًا.
أرى فيها مشروع سلطة، مشروع خوف، مشروعًا يعيد رسم الخرائط على حساب الدم السوري، وعلى حساب كرامة الناس ومستقبلهم وهويتهم.
سوريا تستحق دولة عادلة، لا نسخة محسّنة من الفوضى.
وسوريا لن تُبنى بقوانين تُخيف النساء وتُخضع الرجال وتشتري الولاء، بل بدستورٍ كاملٍ، ودولةٍ كاملة، وعدالةٍ كاملة.
كندا- ليلى قدسي

