لندخل معا إلى عمق السياسة المعاصرة وآليات هندسة الوعي الحديثة.
تسييس الأخلاق وتحويل المفاهيم الإنسانية إلى أدوات رقابة وسلطة.تعالوا نكشف معا الغطاء عن هذه اللعبة، لنفهم كيف تحول خطاب الكراهية من شعار أخلاقي إلى بوليس اجتماعي عالمي وقمع ناعم.
أولاً: هل خطاب الكراهية مصطلح سياسي أم أخلاقي؟في بداياته الأولى، كان هذا المصطلح إطارا أخلاقيا إنسانيا، لحماية الفئات المستضعفة، ومنع العنف الجسدي واللفظي. لكن تطور ليصبح عصا على رؤوس المستضعفين انفسهم لأنه مسطلح فضفاض يحمي المتسلط. كيف؟.
خطورة المصطلحات الفضفاضة أنها لا تمتلك تعريفا جامعا مانعا؛ ومن يملك سلطة تعريف المسطلح يملك سلطة الإدانة والتحكم. بالتالي، تحول المصطلح من
حماية الإنسان إلى أداة سيادية تحدد من يحق له الغضب ومن يجب إسكاته.ثانياً: لماذا ظهر بقوة بعد التسعينيات؟ (وأصبح قضيبا بيد البوليس الاجتماعي العالمي واتباعه في الدول)صعود المصطلح في هذه الحقبة بالتحديد ليس صدفة، بل ارتبط بتحولات جيوسياسية كبرى:
اقرأ: نضال الاحمدية لنائب في المجلي انت سوري وابن غازي كنعان1. نهاية الأيديولوجيات الكبرى وسقوط المعسكر الشرقي:
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، احتاج النظام العالمي الجديد إلى معايير ضبط جديدة لإدارة المجتمعات بدون الحاجة لاستخدام الدبابات أو القمع الخشن. بدأت عولمة الليبرالية الحديثة، وصار الضبط يأتي عبر القوة الناعمة والمنظومات الأخلاقية والجمعيات التي تدعي عمل الخير بغطاء دولي.
اقرأ: نضال الاحمدية للساقطة المسيح غسل الاقدام والبابا قبلها – فيديو 2. صعود “سياسات الهوية الغرب القوي حكمنا بتفوقه وظلمه واستبداده: تولى اليسار الأكاديمي إعادة صياغة الصراع الاجتماعي. بدلاً من الصراع الطبقي الاقتصادي (غني وفقير)، حولوا الصراع إلى صراع هويات وجندر وثقافات. ولحماية هذه المنظومة الجديدة، ابتكروا ترسانة من المصطلحات لفرض الرقابة وتأديب أي صوت يخرج عن هذا السرب.3. التمهيد للعولمة الرقمية:
مع التنبؤ بظهور الإنترنت وسرعة تدفق المعلومات، كان لا بد من خلق شرطي مرور فكري لغوي، قادر على خفض الأصوات الغاضبة وتجريمها استباقياً قبل أن تتحول إلى فوضى تهدد مصالح المنظومات الحاكمة والشركات العابرة للقارات.ثالثاً: الاستبداد الناعم وآلية الإخضاع بالخجلالاستبداد القديم كان مفضوحًا وفجًا؛ يرسل الشرطة لإغلاق الفم أو الاعتقال، مما يحول المستهدف إلى بطل أو ضحية واضحة. أما الاستبداد الجديد فهو كما فيجعلك تخاف من نفسك، لا منهم. إنها آلية “الإقصاء الاجتماعي والوسم الأخلاقي”: لا يمنعونك بقوة السلاح، بل يسلطون عليك ترسانة إعلامية وأكاديمية وثقافية تصمك بـ “العنصرية، الكراهية، الفوبيا، الرهاب”.هذا الهجوم الرمزي يخلق حالة من الخجل والتردد الفكري لدى الإنسان العادي؛ فيبدأ بممارسة الرقابة الذاتية على نفسه، ويصمت خوفا من خسارة وظيفته، أو سمعته، أو مكانته الاجتماعية.وبالنتيجة الطبيعية يجري عزل من يملك رأيا فطريا أو تشخيصا لواقع (مثل عدم قدرة بلده على استيعاب اللاجئين، أو رفضه لظواهر اجتماعية معينة) وتصويره كوحش لا إنساني، فقط لأنه لا يملك المعجم المصطلحي المعقد الذي صاغته النخب الأكاديمية الغربية لشرعنة أجنداتها.رابعاً: قلب المفاهيم وتحويل الجلاد إلى ضحيةأخطر نتائج هذا السلاح الأخلاقي تظهر عندما يُستخدم لحماية الأنظمة المجرمة وإدانة الضحية المستغيثة.حين تصرخ امرأة في وجه منظومة ذكورية أو قبيلة أو جماعة دينية متطرفة أنتجت قاتلاً برر جريمته بنصوص أو أعراف، فتكون صرختها تشخيصا اجتماعيا
وفضح العنف المنظم. لكن، بتطبيق مقصلة خطاب الكراهية، يُسارع البوليس الفكري إلى القول: انتبهي، أنتِ تعممين وتهاجمين فئة كاملة، وهذا خطاب كراهية ومس بالهوية وبهذا الخبث المقونن يتحويل النقاش من الجريمة الحقيقية إلى الدفاع عن المجرمين الحقيقين فيصبح المجرم ضحية والعكس صحيح.
مثلا أي كلام يسمح بمحاكمة وإدانة النازية او داعش ولا يعتبرون الكلام عنه كراهيك فقط لأنه يخدم سيادتهم وما يريدون، ولكن إذا انتفضتِ لفضح الفساد المحلي، أو العنف الديني، أو الجرائم المنظمة في مجتمعاتنا، او استضافة متخلفين كلاجئين وقبول كل تخلفهم وكل وسخهم فيقمعونك باسم السلم الأهلي، او الانسانية، او حرام، فقط لتنفيذ اجنداتهم.

