لماذا ذُكر لبنان أكثر من 70 مرة في التوراة؟ وما الذي مثّله في المخيلة الدينية والتاريخية؟
لبنان الاسم المقدس والشعب العظيم ودولة اصحاب الدكاكين.. معادلة غريبة عجيبة..
وحين نقول مقدس فلأنه ذُكر في الكتاب المقدس مرة (بحسب عد الكلمة)، موزعا على عشرات الأسفار، من سفر التثنية إلى زكريا.
لكن لماذا لبنان فقط؟ لبنان أقدم من التوراة نفسها
علينا ان ننتبه أن لبنان قبل الأسفار وقبل الديانات كلها، وكان اسم لبنان معروفًا لدى المصريين والآشوريين والبابليين والفينيقيين.وعلينا أن ننتبه أيضًا إلى ان غابات أرز لبنان ذُكرت في ملحمة جلجامش، إحدى أقدم الملاحم في التاريخ، كما يرد الاسم في النقوش المصرية والآشورية باعتباره منطقة تشتهر بالأرز والجبال والموارد الطبيعية.وهذا يعني أن من كتب التوراة (التوراة مقدس مثل الانجيل وليس منزلا) لم يبتكروا اسم لبنان، بل استخدموه اوكان معروفا في الشرق الأدنى القديم.
اقرأ: القصة الحقيقية خلف مسلسل Madame Aema هل كان المقصود دولة لبنان الحالية؟
عندما كُتبت أسفار العهد القديم لم تكن دولة لبنان بالحدود السياسية الحالية، بل كانت جغرافيا تحمل اسم لبنان، تمتد حول سلسلة الجبال الشهيرة التي لا تزال تحمل الاسم نفسه حتى اليوم.لماذا تكرر اسم لبنان كل هذا العدد من المرات؟
أولًا: لأن أرز لبنان كان أثمن خشب في العالم القديميقول الباحثون: لأن الأرز اللبناني كان يُستخدم في بناء المعابد، تشييد القصور وصناعة السفن والأبواب والأسقف الملكية.
ولهذا طلب الملك سليمان من حيرام، ملك صور، إرسال أخشاب أرز لبنان لبناء الهيكل.ولهذا أصبح لبنان مرتبطًا في المخيلة الدينية بالمجد والعظمة.
اقرأ: هل شوه مسلسل المدينة البعيدة صورة تركيا اتاتوركثانيًا: لأن جبال لبنان كانت تمثل حدودًا طبيعية مهمةفي عدد من الأسفار يُذكر لبنان لتحديد حدود الأرض، مثل قول سفر يشوع: «من البرية ولبنان إلى النهر الكبير.» وهنا لا يحمل الاسم أي معنى رمزي، بل يشير إلى منطقة جغرافية معروفة.ثالثًا: لأن الأرز أصبح رمزًا للقوة
الأرز من أطول الأشجار وأصلبها.. ولهذا استخدم الأنبياء أرز لبنان لتشبيه: الملوك. الإمبراطوريات والعظماء.
قال حزقيال: «هوذا أشور أرزة في لبنان.» أي أن الأرزة أصبحت صورة بلاغية للقوة والعلو.رابعًا: لأن لبنان رمز للجمالفي نشيد الأنشاد يتحول لبنان إلى رمز للجمال والعطر والبهاء. فنقرأ: «تعالي معي من لبنان يا عروس.» ويقول أيضًا: «رائحته كلبنان.» وهنا يتحدث النص عن عن صورة شعرية للجمال الطبيعي.
اقرأ: ما اغلى من الولد الا ولد الولد حقيقة ام كذبةخامسًا: لأنه رمز للخصبيربط عدد من الأسفار لبنان بالمياه والينابيع والخضرة، فيقول هوشع: «يكون بهاؤه كالزيتونة ورائحته كلبنان.» أي أن لبنان أصبح عندهم كما الآن رمزًا للحياة والنماء.وماذا عن النبوات؟في بعض الأسفار، خاصة إشعياء وزكريا، يظهر لبنان في سياق التحذير والقضاء. مثل الآية الشهيرة: «افتح أبوابك يا لبنان فتأكل النار أرزك.»وقد اختلف المفسرون في معناها. فمنهم من رأى أنها تتحدث عن خراب يصيب المنطقة. ومنهم من اعتبر أن «لبنان» هنا رمز للعظمة والكبرياء التي سيطالها القضاء. ولا يوجد إجماع بين المفسرين على أنها نبوءة تخص لبنان الحديث.هل كان لبنان مقدسًا؟لا تصفه التوراة بأنه أرض مقدسة على غرار أورشليم، لكنها تمنحه مكانة مميزة بسبب: أرزه. جباله. جماله. ثروته الطبيعية. دوره في بناء الهيكل. ولهذا بقي اسمه حاضرًا في الذاكرة الدينية والأدبية.
اقرأ: تاريخ لبنان في عشر دقائقلماذا بقي اسم لبنان حتى اليوم؟اختفت أسماء عشرات الممالك القديمة، بينما بقي اسم لبنان حيًا لأكثر من أربعة آلاف سنة. ويُرجع الباحثون ذلك إلى عوامل عدة وهي: ثبات الموقع الجغرافي. شهرة جباله. تجارة الأرز التي جعلت اسمه معروفًا في الشرق القديم. وروده في النصوص المصرية والرافدية والتوراتية واليونانية والرومانية.
ولهذا يُعد لبنان واحدًا من أقدم الأوطان الجغرافية المستمرة في العالم.ملاحظة: لم يُذكر لبنان عشرات المرات في التوراة لأنه كان مجرد مكان على الخريطة، بل لأنه جمع بنظر كتّاب العهد القديم عناصر نادرة: الطبيعة المهيبة، والأرز الفريد، والجبال الشاهقة، والثراء، والجمال، والرمزية الأدبية. ولذلك أصبح اسمه يتجاوز الجغرافيا ليغدو رمزًا للقوة والخصب والبهاء، وهو ما يفسر حضوره المتكرر في النصوص الدينية حتى يومنا هذا.

