في القاموس السياسي، تبدو الأهلية الأخلاقية شرط مقدسًا لا يقبل المساومة، حيث تكفي ملاحقة فضيحة جنسية لوزير أو مرشح رئاسي في واشنطن أو باريس أو لندن لتهدم تاريخه في لمح البصر وتجبره على الاستقالة ذليلاً، كما حدث مع دومينيك ستروس كان الذي طار منصبه وطموحه الرئاسي في غضون ساعات، أو غاري هارت الذي أنهت علاقة عابرة مستقبله السياسي.
لكن، عندما تلتفت هذه العواصم ذاتها نحو الشرق الأوسط، تسقط الأقنعة الأخلاقية فجأة، وتصاب المعايير بالعمى الإستراتيجي؛ فيصبح أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع)، الذي تلطخت يداه بدماء الآلاف وقاد تنظيما أرهب العباد لسنوات، يصبح قديسا يجلس على الكرسي الأول، ويُستقبل ببدلته الجديدة كشريك في صياغة مستقبل الشعوب. هناك، تُحاكم الشهوة والنزوات بصرامة، وهنا، يُغفر للموت والترهيب وذبح الاطفال والنساء ورمي الشباب من النوافذ.
الجولاني يصبح الشرع لأنه ذبح الاطفال والنساء ورمى السباب من الشبابيك واغتصب النساء
في الدول الغربية، تخضع الأنظمة لـ مبادىء صارمة، الجمهور هناك يحاسب المسؤول على سلوكه الشخصي والمالي. أما في السياسة الخارجية، فلا توجد “أخلاق”، بل يتبعون نظرية الغاية تبرر الوسيلة.
الجولاني (أو أحمد الشرع) بالنسبة للقوى الدولية أداة وظيفية فرضت أمرا واقعا على الناس، والغرب بيض صفحته طالما أنه ينفذ الأوامر. ويؤمّن الاستقرار المطلوب للاستثمارات (مثل فرنسا).
غسيل السمعة المصنوع دولياً: المفارقة أن المخابرات الدولية التي كانت ترصد ملايين الدولارات لمن يأتي برأس الجولاني، هي نفسها التي باركته ونصبته زعيما على سوريا سمحت له بتقديم نفسه كـ “منقذ مدني” وحامٍ للأقليات في مرحلة ما بعد النظام السابق. إنه نفاق الغرب لعنهم ربي.
بقاء الجولاني على رأس السلطة واستقباله من قادة دوليين، شهادة وفاة لـ “العدالة الدولية” وشعارات “حقوق الإنسان”.
التاريخ لن ينسى الدماء بمجرد تغيير الملابس أو المسميات. إنها مفارقة تبين أن العالم يحاكم الشهوة بقسوة، لكنه يصافح “اليد الملطخة بالدماء” إذا كانت تحمل مفاتيح المصالح والنفوذ.
أبرز الأمثلة الحية والتاريخية التي هزت الرأي العام العالمي وأطاحت بأصحابها، ومقارنتها بالواقع الإقليمي:
هؤلاء لم يقتلوا نساءً وأطفالا ابدا.. ورغم ذلك سقطوا هم وتسيد الجولاني
1. دومينيك ستروس كان (Dominique Strauss-Kahn) – فرنسا كان رئيس صندوق النقد الدولي، وكان المرشح الأوفر حظاً لرئاسة فرنسا ضد نيكولا ساركوزي.
الفضيحة: في عام 2011، اتُهم باعتداء جنسي على عاملة فندق في نيويورك.
النتيجة: أُلقي القبض عليه في المطار، استقال من منصبه الدولي فورا، تحطمت مسيرته السياسية تماما، وانتهى حلمه الرئاسي في فرنسا في غضون أيام.
المفارقة هنا صارخة، فرنسا التي أسقطت أحد أبرز قادتها بسبب اتهام في غرفة فندق، هي نفسها فرنسا التي يزور رئيسها اليوم بلدا ليلتقي بمسؤول ارتبط اسمه بجرائم حرب وإرهاب دولي.
2. غاري هارت (Gary Hart) – الولايات المتحدة
المنصب: سيناتور أمريكي والنائب الديمقراطي الصاعد الذي كان يتصدر استطلاعات الرأي للفوز برئاسة أمريكا عام 1988.
الفضيحة: التقطت له الصحافة صوراً تظهره في علاقة خارج إطار الزواج مع عارضة أزياء على متن يخت.
النتيجة: انسحب من السباق الرئاسي خلال أسبوع واحد فقط بعد أن واجه ضغطاً إعلامياً وشعبياً لا يرحم، ودُمرت مسيرته السياسية بالكامل.
3. بوريس جونسون (Boris Johnson) – بريطانيا
المنصب: رئيس وزراء بريطانيا.
الفضيحة: لم تكن فضيحته الجنسية المباشرة هي ما أسقطه، بل حمايته وتستره على حليفه السياسي “كريس بينشر” الذي واجه اتهامات بالتحرش وسلوكيات غير لائقة.
النتيجة: تفجرت أزمة ثقة كبرى داخل حزبه والحكومة، وأجبرته الاستقالات الجماعية لوزرائه على التنحي من منصبه كرئيس للوزراء في عام 2022.

