هنا ننقل ما كتبه الكاتب والمحلل السياسي اللبناني ماجد ابراهيم في تحقيق صادم: ما وراء هجمات أجهزة النداء (Pager) القصة التي لم تُروَ
فيقول: هجمات أجهزة النداء (Pager) التي وقعت في سبتمبر/أيلول 2024 واحدة من أكثر فصول حروب الظل غموضًا في العصر الحديث.
بينما انشغلت وسائل الإعلام العالمية بالمشهد العسكري المباشر، بقيت الرواية الرسمية لحزب الله غائبة إلى حد كبير.
وبحسب مصادر يصفها النص بأنها قريبة من جهاز الأمن الداخلي في الحزب، فإن هذا الصمت لم يكن نتيجة الفوضى وحدها، بل جاء بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها مراعاة آلاف الجرحى وعائلاتهم، واستمرار تحقيقات أمنية داخلية شديدة الحساسية، إضافة إلى رفض تقديم رواية إعلامية تحت ضغط الحرب.
لكن، وفقا للنص، فإن إعادة تركيب مسار الأحداث بالاستناد إلى ما يصفه بملفات استخبارات لبنانية وإقليمية تكشف مواجهة استخباراتية امتدت عشرين عامًا، بدأت من العراق عام 2003، مرورًا بتايوان، وانتهت بأحداث عام 2024.
التحقيق الداخلي وتعطّل القيادة
يشير النص إلى أنه، رغم الاختراق الاستخباراتي غير المسبوق، تمكن الجهاز الأمني في حزب الله من فهم آلية اختراق سلسلة التوريد خلال أقل من 48 ساعة.
ويستشهد بخطاب الأمين العام السابق السيد حسن نصر الله في 19 سبتمبر/أيلول 2024، حيث أعلن أن الحزب أصبح يمتلك تصورًا كاملًا للتسلسل الزمني لما جرى.
ويضيف أن اجتماعًا طارئًا لرؤساء الوحدات أدى إلى تشكيل لجنة تحقيق عليا برئاسة السيد هاشم صفي الدين، مهمتها تحديد المسؤوليات وإعادة تنظيم آليات شراء المعدات.
غير أن اغتيال عدد من قادة قوة الرضوان، ثم اغتيال السيد حسن نصر الله بعد أيام، أدى إلى توقف التحقيقات وتحول الأولوية من المحاسبة الداخلية إلى إدارة معركة البقاء.
البصمة الأميركية ومادة «CL-20»
يرى النص الذي كتبه ماجد ابراهيم أن سبب عدم نشر تقرير رسمي حتى اليوم يعود إلى اعتبارات استراتيجية، لأن إصدار تقرير نهائي يتطلب تحديد المسؤوليات وإجراءات تنظيمية لا يمكن القيام بها أثناء الحرب.
ويقول إن التحقيقات الداخلية توصلت إلى قناعة بوجود دور أميركي مباشر في مرحلتين أساسيتين:
- تنفيذ عملية اختراق سلسلة التوريد الخاصة بأجهزة النداء.
- توفير المعلومات الاستخباراتية التي قادت إلى اغتيال السيد حسن نصر الله.
كما يذكر أن الهدف الأصلي للعملية كان إحداث خسائر بشرية تتراوح بين 15 و30 ألف عنصر دفعة واحدة.
ويضيف أن فرق الهندسة التابعة للحزب، عثرت داخل الأجهزة غير المنفجرة على مادة CL-20، وهي من أقوى المواد المتفجرة غير النووية المعروفة.
ويطرح النص تساؤلًا حول كيفية حصول الموساد على هذه المادة، مشيرًا إلى أنها كانت تُعد لفترة طويلة حكرًا على المخزونات العسكرية الأميركية قبل ظهور كميات محدودة منها في سلاسل توريد صينية.
الحد من الخسائر: استثناء قوة الرضوان
يقول ماجد ابراهيم إن الرواية الإعلامية التي تحدثت عن شلّ قوة الرضوان لا تعكس الواقع العسكري.
فبحسب المعلومات الواردة فيه، لم يتجاوز عدد المصابين من عناصر القوة مائة عنصر.
ويعزو ابراهيم ذلك إلى أن قائد القوة إبراهيم عقيل (الحاج عبد القادر) أصدر قبل نحو أسبوعين من الانفجارات قرارًا بإعادة جميع أجهزة النداء، بعدما اعتبر أنها لم تعد ضرورية في العمليات الميدانية.
توزيع الإصابات بحسب ماجد ابراهيم: بلغ عدد القتلى والجرحى نحو ثلاثة آلاف شخص لم تتجاوز نسبة عناصر قوة الرضوان 4% من إجمالي الإصابات. وتركزت الإصابات في القطاعات الإدارية واللوجستية والطبية والخدمات المدنية.
كما يذكر ابراهيم أن الحزب أصدر فور انفجار أجهزة النداء أوامر بسحب جميع أجهزة اللاسلكي، وأن انفجارات اليوم التالي حدثت لأن بعض المواقع البعيدة لم يصلها أمر السحب في الوقت المناسب.
البداية: العراق عام 2003
يعيد ماجد ابراهيم جذور القضية إلى عامي 2001 و2002 عندما بدأ حزب الله باستخدام أجهزة النداء لتجنب التنصت الإلكتروني.
ثم يقول إن نقطة التحول جاءت عام 2003 أثناء تقديم الحزب دعمًا تقنيًا وعسكريًا للمقاومة العراقية بإشراف عماد مغنية ويوسف هاشم (السيد صادق).
ووفقًا ل ماجد ابراهيم، تمكنت الاستخبارات الأميركية من اعتراض أنماط اتصالات غير مألوفة، ثم صادرت معدات اتصالات في العراق، وتبين أنها تعود إلى الشبكة المستخدمة داخل حزب الله.
ومن خلال تحليلها، جرى تحديد الشركات الموردة لهذه الأجهزة، ثم نُقلت المعلومات إلى إسرائيل، لتبدأ فكرة استهداف سلسلة التوريد.
المناورة التايوانية عام 2004
يروي ماجد ابراهيم أنه في عام 2004 عُثر في جنوب لبنان على جهاز نداء سليم، وتم تتبع رقمه التسلسلي وصولًا إلى شركة Gold Apollo في تايوان.
وكان الحزب يحصل على الأجهزة عبر وسيط لبناني يعمل من مكتب في تايبيه.
وفي العام نفسه لاحظ الوسيط نشاطًا مريبًا عندما حضر شخصان للاستفسار عن صفقات شراء كبيرة، ثم تبين أن شخصًا آخر استأجر مكتبًا داخل المبنى لإدارة هذه الصفقات.
ويقول ماجد ابراهيم، إن محاولة جرت لتجنيد الوسيط اللبناني خلال عشاء في مطعم عربي داخل أحد الفنادق، حيث قدم له رجل استخبارات عرف نفسه باسم “Mr. C”. لكن الوسيط شك بالأمر، فاتصل من هاتف عمومي للتحقق من هوية الأشخاص، فاكتشف أن الأسماء مزورة، ثم أبلغ عماد مغنية.
فطلب مغنية منه مغادرة تايوان فورًا، ثم قرر تجميد خط الاستيراد بالكامل. وبقي هذا المسار معطلًا نحو عشر سنوات قبل العودة إليه لاحقًا.
التحول الكبير عام 2018
بحسب ماجد ابراهيم، أُعيد تفعيل العملية عام 2018 خلال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويقول إن الشركة المصنعة غيّرت هيكلها الإداري، كما أصبحت مسؤولة مبيعات تدعى “تيريزا” تدير شركة فرعية تتولى التوزيع الإقليمي.
ويؤكد ماجد ابراهيم أن الحزب رفض مرارًا استلام الطرازات الحديثة، وأصر على شراء أجهزة AL924 القديمة ذات البطاريات القابلة للإزالة.
لكن الشركة رفضت بيع الطراز القديم، وهددت بوقف التعامل التجاري إن لم يتم اعتماد الأجهزة الجديدة.
وعند وصول الشحنة إلى لبنان، اشتبهت الفرق الأمنية في نحو 500 جهاز، فعزلتها لإجراء فحوص إضافية.
الثغرة التقنية
يوضح ماجد ابراهيم أن الفحوص الأمنية المعتادة تعتمد على الأشعة السينية وتحليل الكثافة للكشف عن المتفجرات.
غير أن المادة المتفجرة، بحسب الرواية، لم تكن موضوعة كعبوة منفصلة، بل جرى دمجها كيميائيًا داخل غلاف البطارية وجسم الجهاز البلاستيكي.
وبذلك أصبحت كثافتها وخصائصها مطابقة تقريبًا للمكونات الطبيعية، ما جعل وسائل الفحص التقليدية عاجزة عن اكتشافها.
القرار السياسي
يقول ماجد ابراهيم، إن قرار تفجير الأجهزة جاء نتيجة ضغوط سياسية داخل إسرائيل. وأن رئيس الموساد طلب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تنفيذ العملية قبل انتهاء ولايته لتحقيق إنجاز أمني كبير.
ويضيف أن الخطة الأصلية كانت تقضي بالانتظار حتى انتشار أجهزة النداء وأجهزة اللاسلكي الجديدة على نطاق واسع، ثم تنفيذ ضربة واحدة تؤدي إلى سقوط ما بين 30 و40 ألف ضحية بالتزامن مع اغتيال القيادة العليا.
لكن، رصدت إسرائيل مؤشرات إلى أن الحزب بدأ يشك بوجود اختراق، فقررت تنفيذ العملية قبل الموعد المخطط له حتى لا تخسر مشروعًا استخباراتيًا استمر سنوات طويلة.
حرب الإدراك
يختتم ماجد ابراهيم بالقول إن الصراع الممتد لعشرين عامًا يعكس طبيعة الحروب غير المتكافئة، حيث استخدمت الولايات المتحدة وإسرائيل، إمكانات استخباراتية وتكنولوجية واقتصادية وعسكرية هائلة لمحاولة شل حزب الله وإنهائه.
ويرى ماجد ابراهيم إن هذه الاستراتيجية لم تحقق أهدافها، إذ لم تنجح في القضاء على الحزب أو تفكيك قوة الرضوان بالكامل، رغم عمليات الاغتيال والضربات الواسعة.
ويخلص إلى أن بقاء الحزب واستمراره في العمل الميداني حتى عام 2026، بحسب وصفه، يبرهن أن التنظيمات المسلحة المتجذرة في بيئتها الجغرافية والاجتماعية لا يمكن القضاء عليها بالقوة العسكرية وحدها، وأن مجرد بقائها يمثل فشلًا لاستراتيجية الإزالة الكاملة.

