ملحمة الصمود والثقافة: كيف هزمت الكثافة الإبداعية لا السكانية غطرسة الجغرافيا؟
لماذا اللبناني عزيز النفس عظيم؟
منذ العام 1948، يعيش اللبناني في قلب النيران، عاش الحروب الأهلية، والاجتياحات، والإنهيارات الاقتصادية الطاحنة، التي عجزت عن تحملها دول كبرى.
ومع ذلك، يطل اللبناني على العالم دائما بأناقته، وابتسامته، وكبريائه. هذا الحضور الذي يسميه البعض “شوفة حال” أو غرورًا، ليس في الحقيقة سوى خط الدفاع الأخير ضد الانكسار، ورفضا مطلقا للعب دور الضحية.
المفاجأة الكبرى تكمن في أن هذا الكبرياء ليس مجرد شعور عاطفي.. با مدعوم بالواقع العلمي السوسيولوجي وبلغة الأرقام الصارمة والتقارير الدولية التي تثبت أن لبنان رغم صغر مساحته والعدد السكاني البالغ فقط نحو 5.8 ملايين نسمة، يمثل معجزة
ريما الرحباني: اتركوا زياد وشأنه، ولا تجعلوا اسمه مشروعا تجاريًاديمو/شعبية حقيقية.
أولاً: لغة الأرقام الحازمة (الأمية، الجريمة، والتسول) عندما يتحدث اللبناني عن تميزه، فإن المنظمات الدولية (مثل اليونسكو والبنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة) تقف الى صفه وتدعم حجته بالأرقام الدقيقة:
أعلى نسب التعليم وأقل نسب الأمية: تبلغ نسبة المتعلمين في لبنان أكثر من 93%، وهي من الأعلى في العالم العربي وفي الدول النامية. والأهم من ذلك أن نسبة الأمية بين الشباب من ذوي سن (15-24 سنة) تكاد تنعدم حيث تصل نسبة المتعلمين بينهم إلى 98%. ورغم أن المدارس والجامعات قُصفت وعُطلت مرارا، لم يترك اللبناني القلم والكتاب.
أقل معدلات الجريمة العنيفة: وفقاً لتقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة يسجل لبنان معدل قتل عمد يتراوح بين 2.2 إلى 3.5 حالة لكل 100 ألف نسمة. هذا الرقم يجعل لبنان أكثر أمانا من قوى عظمى، ودول مستقرة، حيث يبلغ المعدل في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 6.5، وفي روسيا 6.7. والأكثر دهشة، أن وعند مقارنة لبنان بدول أمريكا اللاتينية التي مرت بانهيارات مالية مشابهة (مثل فنزويلا التي تسجل معدلات مرعبة تتراوح بين 40 إلى 50 حالة قتل لكل 100 ألف نسمة)، يتضح كيف حمت العائلة والتربية الاجتماعية اللبنانية من الانزلاق إلى توحش الجريمة المنظمة رغم خسارته لأبسط الحقوق الإنسانية.
الشارع وأسطورة الكبرياء: تكشف الدراسات الميدانية لمنظمات الأمم المتحدة (\bm{UNICEF}) أن أكثر من 95% من ممتهني التسول وعمالة الأطفال في الشوارع اللبنانية يعود لجنسيات غير لبنانية والباقي من مكتومي القيد. المواطن اللبناني، بحكم تركيبته الثقافية والاجتماعية، يرفض الاستجداء، يفضل أن يعمل في أبسط المهن الهامشية أو يعتمد على التكافل الأسري وتحويلات المغتربين، على أن يمد يده في الشارع.
جوزيف حويك الاستاذ مع رندا كعدي لماذا الارقام؟
معجزة “الكثافة النخبوية” مقارنة بمصر والدول العربية
في علم الاجتماع، لا تُقاس حيوية المجتمعات بالعدد المطلق، بل بما يُعرف بـ “الكثافة الإبداعية والنخبوية” (نسبة المبدعين والمتخصصين إلى إجمالي السكان). وإذا وضعنا الـ 5.8 ملايين لبناني بمقارنة مع جمهورية مصر العربية (نحو 115 مليون نسمة، أي 20 ضعف حجم سكان لبنان)، أو مع دول المغرب العربي، والعراق، والخليج، تتجلى المعجزة كالتالي:
قطاع الطب (صمام أمان الشرق): يسجل لبنان في نقاباته الطبية حوالي 16,000 طبيب، بمعدل طبيب واحد لكل 360 مواطنا، متفوقا على المعدل العالمي لمنظمة الصحة العالمية (طبيب لكل 434 مواطنا). بالمقابل، تبلغ النسبة في مصر حوالي طبيب لكل 500 إلى 600 مواطن في الخدمة الفعلية. هذه الكثافة هي التي ثبّتت تاريخيا شعار “لبنان مستشفى الشرق”، و تتفوق أيضا على دول المغرب العربي والعراق التي عانت تاريخيا من فجوات الرعاية الصحية أو هجرة العقول القسرية.
قطاع الهندسة (بناة الشرق ومطورو الجغرافيا): يضم لبنان حوالي 65,000 مهندس، بمعدل مهندس واحد لكل 89 مواطنا، بينما في مصر هناك مهندس واحد لكل 127 مواطنا (من أصل 900 ألف مهندس). هذه الوفرة الهائلة جعلت العقول والشركات اللبنانية تقود وتدير أضخم المشاريع الإنشائية والتكنولوجية في الخليج العربي وإفريقيا.
سمير صفير يكشف اسرار سجنه في السعودية
قطاع المحاماة والحقوق (حراس القانون): يضم لبنان حوالي 12,000 محامٍ، بمعدل محامٍ واحد لكل 480 مواطنا. ورغم العراقة التاريخية للمدرسة القانونية المصرية التي تضم 700,000 محامٍ وصاغت دساتير المنطقة، إلا أن الكثافة اللبنانية تعكس مجتمعا متيقظا لحقوقه، يحترف السياسة والمحاججة، ويرفض الظلم.
ثالثاً: عاصمة الروح والنغم والتأثير الإقليمي
الجمال والإبداع في لبنان ليسا مجرد شكل، بل ثقافة حياة وصناعة قائمة بذاتها. في تصنيفات منظمة اليونسكو للمساهمة الإبداعية في الاقتصاد مقارنةً بالناتج المحلي وحجم السكان، يحتّل لبنان المرتبة الأولى في كل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
مدرسة الفن والرقص: لبنان، الشعب الذي حوّل الفرح إلى فعل مقاومة، من مسرح الرحابنة وكرامة كركلا التي نقلت الرقص الاستعراضي العربي إلى أرقى مسارح العالم، إلى مخرجي السينما المرشحين للأوسكار، ومصممي الأزياء اللبنانيين الذين يتربعون على عروش الموضة في اوروبا وهوليوود.
كثافة نجوم الغناء والإعلام: إذا قمت بإحصاء بسيط لنجوم الصف الأول، الذين شكّلوا وجدان الأغنية العربية وحددوا ذائقتها، ستجد أن هذا البلد الصغير يملك وزنا فنيا يوازي ويقود المشهد الموسيقي العربي بأكمله (من أساطير مثل فيروز، وديع الصافي، وصباح، إلى نجوم العصر المعاصر). وفي الإعلام، كان اللبناني ولا يزال المايسترو الذي أسس وأدار وتصدر كبريات الشاشات والمحطات العربية منذ عقود.
رابعاً: الفارق الجوهري.. الإنتاج من اللحم الحي
عندما نقارن لبنان بدول أخرى حققت نسباعالية، يظهر الفارق السوسيولوجي الذي يجعل التجربة اللبنانية فريدة ومؤثرة:
إذا كانت كوبا قد محت الأمية بنسبة 99% بقوة وإلزام نظام دولة عقائدية وجّه كل موارده لفرض التعليم، وإذا كانت دول الخليج العربي قد حققت طفرات طبية وعمرانية هائلة بفضل الميزانيات الضخمة، والدعم الحكومي اللامحدود واستقطاب العقول (وعلى رأسها اللبنانية)..
فإن المعجزة اللبنانية تكمن في أن هذا الإنتاج النخبوي والفني يتم رغم غياب الدولة وسقوط المؤسسات.
اللبناني يتعلم، ويتخصص، ويبدع من كيسه الخاص ومن لحمه الحي. العقيدة الوحيدة التي تحرك المجتمع اللبناني هي عقيدة الأسرة التي ترفع شعار “بنجوع بس بنعلّم أولادنا”، وتدفع دماءها حرفيا على الطرقات، كما فجعتنا عائلة شومان مؤخرا وهي ترافق ابنها للامتحانات، فقط لتأمين مستقبل أبنائها بالشهادة التي يروها سلاحهم الأوحد للبقاء.
عندما يسأل أحدهم اللبناني: “من تكونون؟ ولماذا كل هذا الفخر؟”
تأتي الإجابة مصحوبة بالبرهان: نحن لغة الأرقام التي تعجز عنها الجغرافيا. نحن لسنا بلداً كبيرًا يعتمد على كثرة ديموغرافية أو ثروات طبيعية مدفونة في باطن الأرض؛ ثروتنا ونفطنا الحقيقي هما جينات الفرد اللبناني وعقله. مجتمع يُنتج هذه النسبة من العقول والنخب والمبدعين لكل متر مربع، وحافظ على أمانه الاجتماعي ونقائه الثقافي في قلب النيران منذ عام 1948، هو مجتمع استثنائي، وعصي على الانكسار، ويحق له أن يفخر بنفسه أمام العالم أجمع.
نضال الاحمدية

