بين رقي المذيع وضجيج الأنفاس: سر مدرسة الجزيرة
خلف شاشات الأخبار، نلاحظ لغة خفية لا تتعلق فقط بالكلمات، بل بالصوت والنفس. في القنوات العالمية الرصينة، المذيع نحات، جملته قصيرة، لغته نظيفة، ويؤدي بتمكن وهدوء. الجمال هناك في السلاسة، فلا تسمع تأتأة تعطل المعنى، ولا أنفاسًا ثقيلة تخرج على الميكروفون وكأن المذيع في سباق جدي.
لماذا يصر مذيعو الجزيرة ومن يقلدونهم على هذا الأسلوب؟
من وجهة نظري، القناة أرادت توحيد اللكنة، ذلك أن مذيعيها يأتون بإيقاعات مختلفة. فالمذيعون يأتون من كل الدول العربية بلهجات مختلفة، وكان الحل بوضعهم جميعًا في (قالب صوتي واحد) يذيب الفوارق. لكن المشكلة ليست في التوحيد، بل في الطريقة، فقد اختاروا إيقاعًا يشعرك أنهم يهجمون عليك، يشبه الخطابات الحماسية، وهذا يتطلب جهدا كبيرا في التنفس، ما يسبب النفخ المزعج على الهواء، وأحيانا أصواتا تشبه التجشؤ اللفظي الذي يقطع سلاسة الكلام.
هذا الأسلوب يعتمد على التمثيل أكثر من الإخبار. المذيع هناك يحاول أن يُشعرك بأهمية الخبر عبر تلاحق أنفاسه وزفيره القوي، وكأنه يعيش حالة طوارئ أو كأنه يفر هاربًا من تحت القصف. هذا التصنع يرهق أذن المشاهد ويشتت تركيزه، ويجعل المذيع يبدو كأنه ماكينة تصرخ وأحيانًا ت،لول، بدلا من إنسان يتحدث برقي وهدوء.
وكنت خلال فترة تدريبي في اذاعة لبنان لسنوات ١٩٨٢ حتى ١٩٨٥ خضعت لتدريبات طلبوا مني خلالها أن أمثل كوسيلة لإخفاء لهجتي المناطقية/الجبل. لكن وحين غيرت لهجتي وهذبت نطقي استغنيت عن كل التمثيل الذي لا داعي له بعد الآن.
لماذا يقلدهم الآخرون؟ السبب يعود إلى وهم النجاح . تعتقد القنوات الأخرى أن سر شهرة الجزيرة في هذه النبرة العالية والضجيج الصوتي، فبدأ المذيعون الشباب بتقليدها خلف الميكروفون ظنا منهم أن الصراخ هو الطريق الى النجومية. لكن الحقيقة هي أن أجمل لغات العالم هي التي تنساب بنعومة، دون حاجة لضجيج الأنفاس أو زوائد الصوت التي تخدش هدوء الشاشة.
الفرق شاسع بين من يحترم أذن المشاهد بلغة أنيقة ونفس هادئ، ومن يحوّل الاستوديو إلى حلبة للضجيج والزفير المزعج.
نضال الاحمدية

