أحدث اغتيال الامام علي خامنئي وفق الرواية المتداولة في الخطاب الايراني الرسمي صدمة سياسية داخل ايران، وأعاد تشكيل المزاج الداخلي للنظام، وفتح الباب أمام جيل جديد من القيادات الدينية والسياسية التي تتبنى خطابا اكثر حدة . وقد ظهر هذا التحول بوضوح في خطاب السيد علي الخميني، حفيد الامام روح الله الخميني، الذي برز فجأة إلى الواجهة بعد الهجوم، وقدم خطابا ناريا في مراسم تأبين القائد الراحل في مرقد السيدة فاطمة المعصومة في قم.
ماذا خسر الشرق الاوسط ولبنان بسبب اسرائيل
مرحلة الإمام علي خامنئي: الصبر الاستراتيجي وإدارة الصراع من بعيد
على مدى عقود، اتسمت قيادة الامام علي خامنئي بنهج يقوم على تجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، وإدارة الصراع عبر الحلفاء الاقليميين من خلال دعمهم في مواجهة الاعتداءات الاميركية والاسرائيلية، واستخدام الردع غير المباشر، والحفاظ على توازن بين الخطاب الثوري ومتطلبات الدولة، وهو نهج منح ايران قدرة على البقاء في قلب المشهد الاقليمي دون دفع ثمن مواجهة مفتوحة رغم كل العقوبات المفروضة عليها، مع السعي الدائم لإفشال خططاً لإعادة تشكيل الشرق الاوسط الجديد.
وقد ظهر هذا الصبر الاستراتيجي في محطات عديدة، إذ جاء الرد الايراني محدودا بعد اغتيال قاسم سليماني، ولم ترد ايران على اغتيال السيد حسن نصرالله، كما لم ترد على سلسلة الاغتيالات التي طالت قادة بارزين في سوريا، إضافة إلى اغتيال عدد من العلماء الايرانيين في مجالات حساسة مثل الطاقة النووية. وحتى خلال حرب الاثني عشر يوما بقيت ردود ايران محسوبة ومحدودة، لأنها كانت تدرك أن أي حرب واسعة لن تكون حربا يمكن انهاؤها بسهولة.
معركة الخيارات: أي لبنان نريد؟
خطاب السيد مجتبى خامنئي: إعلان مرحلة الثأر
جاءت رسالة السيد مجتبى خامنئي لتعلن نهاية مرحلة الصبر الاستراتيجي، إذ قال:
- “لن نتغاضى عن الانتقام لدماء شهدائكم.”
- “هذا الثأر مطلب شعبنا”.
- “يجب أن يعلموا أن هذا الأمر لا يتوقف على وجودي أو وجود مسؤولين آخرين”
- “هؤلاء المجرمون، الذين توجد قائمة كاملة بأسمائهم من أوّلهم إلى آخرهم، سيحملون معهم إلى قبورهم أمنيةَ أن يموتوا موتا هانئًا على فراشهم”
- “أحرار من أنحاء العالم سيؤدون قريبا جزءا من مهمة الانتقام من قتلة المرشد الراحل وبقية الشهداء”
هذه العبارات تعكس تحولا جذريا في خطاب القيادة الايرانية، إذ انتقل من نهج الانتظار الطويل إلى خطاب يقوم على مركزية الثأر ورفض أي تسوية سياسية، مع التأكيد أن كرامة ايران وصبرها وصمتها أمام الهجمات لم يعد مقبولا، وأن القصاص سيحدث سواء وجد القادة أم لم يوجدوا.
القصة الحقيقية خلف تفجير البايجرز في لبنان
خطاب السيد علي الخميني: عودة إلى لهجة الثورة الأولى
في كلمته، قال السيد علي الخميني:
- “من يسعى للتفاوض مع أمريكا من أجل السلام فهو خائن.”
- “من يرسل رسالة صداقة إلى أمريكا فله فم بذيء.”
- “هل يُعقل أن يُصالح الإمام الحسين يزيد؟ هل يُعقل أن نُصالح أمريكا المجرمة؟”
هذا الخطاب يعيد إنتاج لهجة الثورة الاسلامية في سنواتها الأولى، ويستحضر رموزا دينية قوية، ما يعكس أن الصراع بالنسبة لهذا الجيل ليس سياسيا فقط، بل عقائديا أيضا.
نهاية الصبر الاستراتيجي: معركة وجود لا يمكن تجنبه
ومع الهجوم المباشر على الاراضي الايرانية واغتيال الامام خامنئي، بدا أن مرحلة الصبر الاستراتيجي قد انتهت تماما، إذ لم يعد هذا النهج قابلا للاستمرار، وفتح الباب أمام جيل جديد يرى أن الرد لم يعد خيارا مؤجلا، بل ضرورة وجودية للحفاظ على هيبة الدولة وإعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة، في معركة تعتبرها ايران اليوم معركة بقاء لا يمكن تجنبها.
هل ستصبح جنازة الامام خامنئي الاكبر في تاريخ البشرية
هل تقترب المنطقة من حرب واسعة؟
خطاب السيد علي الخميني لم يكن مجرد تعزية، بل كان مؤشرا على انتقال ايران من مرحلة الصبر الاستراتيجي إلى مرحلة اكثر تشددا تقوم على فكرة الثأر ورفض أي تسوية سياسية. وقد جاءت رسالة السيد مجتبى خامنئي لتؤكد هذا التحول، حين شدد على أن الانتقام حتمي وأن قائمة المسؤولين عن الاغتيال موجودة، وأن تنفيذ القصاص سيستمر سواء وجد القادة أم لم يوجدوا.
هذه العبارات تكشف عن تحول جذري في خطاب القيادة الايرانية، ما يطرح سؤالا كبيرا:
هل أصبحت الحرب حتمية، حرب يمكن أن تندلع في أي لحظة، وربما تكون أوسع وأخطر معركة تشهدها المنطقة في تاريخها الحديث؟

