هل كان The Hunger Games مجرد خيال؟ أم أننا اقتربنا أكثر مما نعتقد من الفكرة التي كان يحذر منها؟
عندما شاهدته للمرة الأولى، لم أرَ فيه مجرد لعبة يُجبر فيها البشر على قتل بعضهم.
رأيت منظومة.
منظومة تُبقي الناس في صراع دائم، بينما يبقى من وضع القواعد بعيداً عن الحلبة.
والفكرة بسيطة جداً:
أبقِ الإنسان مشغولاً بالبقاء، فلن يسأل كثيراً عمّن صنع اللعبة.
لم نعد نقتل بعضنا في حلبة… بل نستهلك بعضنا في سباق دائم.
نتنافس على الوظائف، والمال، والمكانة، والبيوت، والشهرة، وعدد المتابعين، وحتى على من تبدو حياته أفضل على منصات التواصل.
أصبح الإنسان متسابقاً دائماً داخل لعبة لم يكتب قوانينها.
وهنا بدأت أفكر في شيء آخر:
ربما لم تختفِ العبودية… بل دخلنا عصر العبودية الرقمية ( Digital Slavery).
العبودية القديمة كانت واضحة.
سلسلة في اليد، قيد في القدم، وسيد يعرف العبد أنه سيده.
أما اليوم، فقد أصبحت السلاسل أكثر ذكاءً لأنها لا تُرى.
قد تكون شاشة لا نفارقها.
إعلاماً يحدد ما الذي يستحق اهتمامنا.
خوارزمية تعرف ما يخيفنا وما يغضبنا وما يجعلنا نبقى دقائق إضافية.
إعلاناً يقنعنا بأننا نحتاج شيئاً لم نكن نفكر فيه أصلاً.
ترنداً يجعل ملايين البشر يتحدثون في الموضوع نفسه في اللحظة نفسها.
في الماضي كانت السيطرة على الجسد.
اليوم أصبحت المعركة على العقل والانتباه.
وهذا أخطر.
لأن الإنسان الذي يعرف أنه مقيد سيحاول يوماً كسر قيوده.
لكن ماذا عن الإنسان الذي لا يرى القيود أصلاً؟
ماذا لو كانت الدمية مقتنعة بأنها هي التي تحرك الخيوط؟
هذا ما يخيفني في عالمنا اليوم.
نحن نظن أننا نختار ما نشاهده، لكن المنصة تختار أيضاً ما ستضعه أمامنا.
نظن أننا نقرر ما الذي يهمنا، لكن الإعلام قادر على تحويل حدث صغير إلى قضية كبرى، بينما تمر أحداث تمس حياة الملايين من دون الاهتمام نفسه.
نملك أكبر كمية من المعلومات في تاريخ البشرية، لكن هل جعلتنا أكثر وعياً؟
أحياناً أشعر أن العكس يحدث.
قد نعرف كل شيء عن حياة شخص مشهور: ماذا ارتدى، أين سافر، من أحب، ومن اختلف معه.
وفي المقابل، نجهل قرارات وأحداثاً قد تغيّر حياتنا أو تاريخنا، ثم نشارك أخباراً خاطئة من دون أن نتوقف لنسأل: هل هذا صحيح أصلاً؟
وهنا لم تعد المشكلة فقط في الإعلام.
نحن أيضاً أصبحنا جزءاً من اللعبة.
نحن من نضغط.
نحن من نشارك.
نحن من نحول التفاهة إلى ترند.
نحن من نعطي الخوارزمية كل يوم درساً جديداً في كيفية السيطرة على انتباهنا.
ومع الوقت، يصبح التفكير العميق متعباً.
المقال طويل.
التحليل ممل.
الحجة معقدة.
نريد كل شيء في عشر ثوانٍ.
عنواناً بدلاً من مقال.
مقطعاً بدلاً من تحقيق.
رأياً بلا بحث.
حكماً بلا معرفة.
غضباً بلا فهم.
وهكذا لا يحتاج أحد إلى منعنا من التفكير.
يكفي أن يُغرقنا بالضجيج حتى لا يبقى لدينا وقت للتفكير.
وهنا أرى الفرق بين الرقابة القديمة والرقابة الحديثة.
الرقابة القديمة كانت تمنعك من الوصول إلى المعلومة.
أما اليوم، فقد تصل إليك ملايين المعلومات دفعة واحدة حتى تعجز عن معرفة أيها مهم وأيها تافه.
وفي وسط كل هذا، نصنع أصناماً جديدة.
لم تعد من حجر.
قد يكون الصنم اليوم مشهوراً، أو مؤثراً، أو نجماً رياضياً أو تلفزيونياً.
تُفرش السجادات، تُرفع الهواتف، تصرخ الجماهير، وتتحول تفاصيل حياته إلى أخبار يومية.
المشكلة ليست في الفن ولا في الفنانين ولا في الإعجاب بشخص ناجح.
المشكلة عندما تصبح الشهرة أهم من القيمة، والصورة أهم من الفكرة، والترند أهم من الحقيقة.
زمان كانت الشعوب تحمل البخور أمام الأصنام.
اليوم تحمل الهواتف.
ثم جاءت التكنولوجيا لتجعل اللعبة أكثر تعقيداً.
الذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق، والخوارزميات القادرة على معرفة سلوك كل مستخدم تقريباً، جعلت السؤال لم يعد فقط:
ما الحقيقة؟
بل أيضاً:
أي حقيقة ستصل إليّ؟ ولماذا هذه بالتحديد؟ ومن قرر أنها ما يجب أن أراه الآن؟
هناك منظومة كاملة تستفيد من انتباهنا.
منصات تريد أن نبقى أطول.
شركات تريد أن نشتري أكثر.
إعلام يريد المشاهدات.
سياسيون يريدون التحكم في الرواية.
مشاهير يريدون أن نبقى منشغلين بهم.
وفي النهاية تتحرك الخيوط من أكثر من اتجاه.
وهذا ربما هو شكل العبودية الأخطر:
أن تكون الخيوط كثيرة إلى درجة أنك لا تعرف من يشدها.
لهذا عدت إلى The Hunger Games.
لأن الفيلم بالنسبة لي لم يعد قصة عن المستقبل.
بل أصبح سؤالاً عن الحاضر:
ماذا يحدث عندما يتحول الإنسان إلى لاعب دائم داخل منظومة لا يعرف من كتب قوانينها؟
وماذا يحدث عندما تنتقل السلاسل من اليدين إلى العقل؟
وأخطر من ذلك كله:
ماذا يحدث عندما لا يعود الإنسان يشعر بأنه مقيد أصلاً؟
حين يحمل الشاشة بيده بنفسه.
ويبحث عن الترند بنفسه.
ويطارد الصورة بنفسه.
ويستهلك ما يُقدم له بنفسه.
ويتحرك كما تشد الخيوط…
ثم يسمي ذلك حرية.

