الحقيقة التاريخية المفاجئة لكثيرين، أن مخططات فرنسية جدية كانت تطرح ضم أجزاء واسعة من الساحل السوري الحالي (وتحديدا اللاذقية وطرطوس ومناطق جبال العلويين) إلى دولة لبنان الكبير، أو على الأقل ربطهما بكيان ساحلي واحد تحت إدارة مركزية في بيروت.
1. المخطط الفرنسي: “دولة الساحل الممتد”
بين عامي 1918 و1920، أثناء التحضير لإعلان الانتداب الفرنسي، كان هناك تيار قوي داخل القيادة العسكرية والسياسية الفرنسية (يقوده رجالات الإدارة الاستعمارية ومستشارو وزارة الخارجية في باريس) يرى أن المصلحة الاستراتيجية لفرنسا تكون في فصل الساحل المشرقي بالكامل عن الداخل (دمشق، حلب، حمص، وحماة).
وكانت الفكرة المطروحة ترتكز على نقطتين: توسيع لبنان شمالا: دمج جبال العلويين والساحل السوري (اللاذقية وطرطوس) مع جبل لبنان والمدن الساحلية (بيروت، طرابلس، صيدا) بكيان سياسي واقتصادي واحد يُسمى “دولة الساحل”، تكون عاصمته بيروت، لماذا: فرنسا كانت تخشى الصعود القومي العربي في الداخل السوري (بقيادة الملك فيصل في دمشق آنذاك)، فأرادت تأمين سيطرتها المطلقة على كامل البحر الأبيض المتوسط عبر حزام ساحلي موالٍ لها وممتد من الناقورة جنوبا حتى لواء إسكندرون شمالاً، وحرمان الداخل السوري من أي منفذ على البحر.
2. من الذي منع هذا الانضمام وأحبط المخطط؟ جاء محصلة لتقاطع مصالح ورفض من ثلاث جهات أساسية اولهم:
أ. البطريركية المارونية والنخب اللبنانية (المعادلة الديموغرافية).. المفارقة التاريخية الكبرى هي أن القيادة المسيحية المارونية في لبنان (وعلى رأسها البطريرك إلياس الحويّك) أول من تحفظ ورفض هذا التوسع المفرط.
• عندما ذهب البطريرك الحويّك إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، طالب بـ الحدود التاريخية والجغرافية للبنان (أي إرجاع الأقضية: البقاع، وطرابلس، وبيروت، وصيدا، والجنوب).
• النخب اللبنانية أدركت بذكاء أن ضم الساحل السوري (اللاذقية وطرطوس وجبال الساحل) سيعني إضافة مئات الآلاف من السكان (العلويين والسُنّة والمسيحيين الأرثوذكس) إلى الكيان الجديد، مما سيؤدي فورا إلى نسف التوازن الديموغرافي الذي كان يضمن أغلبية مسيحية مريحة في دولة لبنان الكبير الموعودة. فضّل الحويك كيانا بحدود يمكن السيطرة عليها على حساب امبراطورية ساحلية تذوب فيها هوية الماروني.
ب. الثورات المسلحة في الساحل السوري (صالح العلي) على الأرض، جوبهت الفكرة الفرنسية بمقاومة عسكرية شرسة. انطلقت ثورة الشيخ صالح العلي (1918 – 1921) في جبال الساحل السوري ضد القوات الفرنسية.
كانت هذه الثورة ترفع شعارا وطنيا سوريا وترفض الإنسلاخ عن الداخل أو الدخول في مشاريع التقسيم الفيدرالي أو الضم لبيروت. هذا الصمود العسكري أجبر المندوب السامي الفرنسي هنري غورو على إعادة النظر في دمج المنطقة بالقوة، وتفضيل صيغة أخرى.
ج. “هندسة الكيانات” للمندوب السامي السير هنري غورو
نهاية المطاف، اتخذ المندوب السامي الفرنسي الجنرال هنري غورو قرارا حاسما في آب (أغسطس) أيلول (سبتمبر) 1920 قضى بتفتيت سورية الطبيعية إلى دويلات، وفصل الساحل السوري في كيان مستقل تماما
عُرف بـ “دولة العلويين” (أو حكومة اللاذقية لاحقاً)، بدلاً من دمجها مع لبنان.
فرنسا وجدت أن مصلحتها تكمن في تأسيس خمسة كيانات منفصلة (لبنان الكبير، دولة دمشق، دولة حلب، دولة جبل الدروز، ودولة العلويين)، لتسهيل حكمها وفق قاعدة “فرّق تسُد”، بدلاً من خلق “لبنان ضخم” قد يصعب السيطرة على توازناته السياسية لاحقاً.
وهكذا بقي الساحل السوري خارج لبنان الحديث لأن باريس فضلت سياسة التفتيت المتعدد، ولأن البطريركية المارونية آثرت مساندة الموارنة على حساب التمدد الجغرافي، ولأن أبناء الساحل السوري أي العلويين حاربوا بالسلاح لمنع سلخهم عن عمقهم السوري؛ فتحولت الحدود عند النهر الكبير الشمالي إلى الحد الفاصل بين الدولتين حتى يومنا هذا.
نضال الاحمدية

