الرجل الذي يلجأ إلى الشتيمة مقلد ومتخلف حكما لأنه ليس مبتكرًا حتى في شتيمته.
إنه، في معظم الأحيان، وارث لقاموس يعود إلى مئات السنين. يردد ما سمعه ممن سبقه، ويستعمل السلاح اللغوي نفسه الذي استُعمل منذ أجيال، كأن البشرية اخترعت آلاف الكلمات، لكنه لم يعثر عند الغضب إلا على جسده!
أما المرأة، فعندما تقرر أن تشتم، فقد أثبت التراث الشعبي أن خيالها أوسع بكثير.
اقرأ: ريما الرحباني: زياد الرحباني قتله طبيبتقول لك في لبنان مثلا: يا ابن الكلب. يا جربان، يا ابن الواوي. يا صعلوك. يلعن سليلتك. قزم. نوري دندبوري. صايع مايع. يا نونو يا إنت ويا سرمايي.وقد لا تحتاج إلى عضو واحد من أعضاء جسدها كي تهينك، تستطيع أن تستعين بالحيوانات، والسلالة، والطول، والعقل، والسلوك، والتاريخ والجغرافيا، والحذاء وأن تخترع لك وصفًا لم يخطر حتى على بالك!وحين تغضب أكثر، تدخل الأم والأخت والعائلة والجيران إلى قاموس المعركة، وتصبح الشتيمة أحيانًا أكثر قسوة من الشتائم التي بدأنا نقدها. وهنا لا تعود المسألة دفاعًا عن «شتيمة نسائية» مقابل «شتيمة رجالية»، لأن الإهانة تبقى إهانة أيًا يكن قائلها.
اقرأ: شمس الكويتية ومريم نور ما الفرق؟لكن الفارق الذي يستحق الدراسة هو الخيال اللغوي.فبعض الرجال ورثوا معادلة شديدة البدائية: الجنس = قوة للرجل، والجنس = إذلال للمرأة. ولذلك يكررونها بلا تفكير.والمفارقة المضحكة أن الرجل حين يفعل ذلك لا يهين المرأة، بقدر ما يكشف محدودية قاموسه.
يريد أن يقول لها شيئًا شديد القسوة، فيفتش في رأسه طويلًا، ثم لا يجد إلا نفسه.حتى إن إحدى المذيعات اللبنانيات التي عملت معنا فترة في قسم التحرير في «الجرس» الورقية كانت، عندما تغضب من رجل، تخترع شتائمها بطريقتها الخاصة، إلى درجة أن الشتيمة نفسها كانت تصبح نكتة داخل غرفة التحرير.وهنا نصل إلى الخلاصة الأجمل:
اقرأ: نضال الاحمدية وما اعز من الولد الآ ولد الولد.. كدبةلا أطالب الرجال بالتوقف عن الشتيمة. أطالبهم، على الأقل، بالإبداع فيها.اتركوا أجسادكم بحالها.اشتموا الفكرة بالفكرة، والسخافة بالسخرية، والغرور بوصفه، والجهل بما يستحقه من كلمات.وإذا أصريتم على الشتيمة، فافتحوا قاموسًا أولًا.فاللغة العربية فيها ملايين الكلمات، ومن المحزن جدًا أن يغضب رجل فلا يتذكر منها إلا عضوًا واحدًا
لإهانة المرأة؟
المفارقة تكشف أن الشتيمة الجنسية ليست مسألة جسد، بل إرث لغوي واجتماعي يقوم على تحويل الجنس من مصدر فخر للرجل إلى أداة إذلال للمرأة. نضال الاحمدية

