سر عشق الجدة للحفيد: لماذا يظن الأجداد أن ولد الولد أغلى؟
طالما ترددت على مسامعنا العبارة الشهيرة: “ما أعز من الولد إلا ولد الولد“، لتتحول مع الوقت إلى قانون عاطفي غير مكتوب، يوحي بأن الحب يرتفع تلقائيا مع مجيء الجيل الثالث.
لكن، حدث معي أني وخلال شغلي على الأرشيف رأيت صور ابني في طفولته فاعتصر قلبي، وحدث معي أن قلبي بدأ يدق بسرعة، وتذكرت ذاك الحب العظيم حتى تمنيت ان تكون الصورة من لحم ودم كي أعانق ابني من جديد.
مع هذه الحالة الوجدانية التي جعلت دموهي تنهمر.. تذكرت القول، وفهمت بسرعة اني لن احب ابن ابني اكثر منه.. بل ووحين اعانقه سأتذكر ابني، .
عشقي الذي نسيته لطفولة ابني سأستعيده من ابن ابني..
وهذا يعني أن ابن الابن صورة عن طفولته وليس اغلى منه. إذا خدعة مشاعر ذكية يمارسها العقل الباطن للأجداد.والحقيقة الصادمة التي يخشى الكثيرون الاعتراف بها هي: لا يمكن للحفيد أن يكون أغلى من الابن، بل إن حب الحفيد هو مجرد إعادة تدوير واسترجاع لعشق الابن القديم وتوجيهه نحو كائن جديد.
1. آلية الاسترجاع العاطفي
حين يولد الحفيد، لا يخلق الجد أو الجدة عاطفة من العدم، بل ما يحدث هو استدعاء أو استرجاع لملفات العاطفة القديمة التي عاشوها مع أبنائهم قبل عقود.في علم النفس، تُعد هذه الحالة نوعًا من النوستالجيا المشحونة بـ عشق الولد الأول. الجدة عندما تنظر إلى حفيدها، فلا ترى كائناً غريبا، بل ترى الملامح الأولى لابنها (أو ابنتها) التي تلاشت مع سنوات النضج والمسؤولية. إنه استرجاع لتلك اللحظات الساحرة التي عاشتها مع طفلها الحقيقي، يتم إسقاطها وتوجيهها بالكامل نحو “الحالة الجديدة” (الحفيد).
2.حب بلا فاتورة: متعة الرعاية دون عبء المسؤولية
تكمن خدعة المشاعر هنا في الفارق الهائل بين ظروف الأمومة/الأبوة السابقة، والظروف الحالية:مع الابن: كان الحب ممزوجاً بالقلق الشديد، الخوف من المستقبل، أعباء التربية، وضغوط المعيشة والتعليم. كان حبا “مثقلاً بالمسؤولية”.مع الحفيد: يأتي الحب خالصا، مجردا من أي مسؤولية قانونية أو تربوية مصيرية. الجد والجدة يملكان رفاهية “الحب والمرح” فقط، وترك عبء السهر والتربية والتأديب للآباء.هذا التحرر من العبء يجعل مشاعر الأجداد تبدو أكثر فياضة وسهلة التدفق، فيظنون هم أنفسهم، أنه حب أعمق، بينما هو في الواقع حب أكثر راحة وليس أكثر عمقاً.
3. الأنانية العاطفية الدافئة وخرق القوانين
الابن هو الاستثمار الحقيقي والامتداد الصعب؛ لذلك كان الآباء حازمين مع أبنائهم لحمايتهم. أما مع الأحفاد، يمارس الأجداد نوعا من الأنانية العاطفية الدافئة، حيث يكسرون قوانين التربية التي وضعوها هم أنفسهم سابقا (كالسماح بأكل الحلوى، أو النوم المتأخر).هذا الدلال ليس دليلاً على أن الحفيد أغلى، بل لأن الأجداد في هذه المرحلة من العمر يبحثون عن مكافأة عاطفية سريعة ومباشرة (ابتسامة الحفيد وحبه) دون الاهتمام بالعواقب التربوية بعيدة المدى، والتي يترك لامتصاص صدمتها الابن الضحية.
الخلاصة: الأصل يبدو دائماً في صورة الفرع
إن القول بأن الحفيد أغلى من الابن هو مغالطة بصرية وعاطفية. فالابن هو الجرح والشفاء، هو المواجهة اليومية مع الحياة، وهو الأصل الذي نبت منه هذا الحفيد.حين تعشق الجدة حفيدها او حفيدتها، هي في الحقيقة تُجدد بيعتها لعشق ابنها القديم؛ فالأحفاد ليسوا سوى مرآة تعكس الوجوه الأولى لأبنائنا قبل أن تشغلهم الحياة عنا. الحب الحقيقي والأعمق يظل كامناً في جذور الشجرة (الأبناء)، أما الأحفاد فهم الزهور الندية التي تتغذى على تلك الجذور، وتمنح الأجداد فرصة ثانية لعيش العاطفة.

