في زمن تعود فيه الحروب الكبرى إلى الواجهة، تعود قصة جمعت رجلين: معمر القذافي ورئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار علي بوتو. الأول امتلك المال والطموح النووي، والثاني كان مصمما على أن تصبح بلاده قوة نووية. فكيف التقت مصالحهما، وهل كانا يدركان منذ السبعينيات أن السلاح النووي قد يتحول يوما إلى أقوى أدوات الردع؟
وثيقة رفعت عنها السرية، تعود إلى تقرير تلفزيوني ألماني من عام 1979، تفتح نافذة مثيرة على العلاقة بين ليبيا وباكستان في واحدة من أكثر مراحل البرنامج النووي الباكستاني حساسية.
عمران خان حي أم ميت؟ حقيقة وفاته وإطلاق سراحه من السجن
القذافي وباكستان.. العلاقة النووية
تبدأ الوثيقة بالإشارة صراحة إلى تحقيق حول التعاون بين ليبيا وباكستان، وسط مخاوف غربية آنذاك من محاولات القذافي الحصول على قدرات نووية.
وكانت باكستان قد سرعت برنامجها النووي بعد التجربة النووية الهندية عام 1974 فيما تعرضت مشاريعها لضغوط غربية. وتشير الوثيقة إلى أن فرنسا أوقفت عام 1978، تحت ضغط أميركي قوي، تسليم منشأة مرتبطة بإعادة معالجة الوقود النووي كان قد تم الاتفاق عليها سابقا مع باكستان.
لكن القصة الأكثر إثارة تظهر لاحقا.
بحسب الوثيقة، عرض القذافي عام 1976 تمويل منشأة إعادة المعالجة التي وعدت فرنسا باكستان بها، مقابل حصول ليبيا على جزء من البلوتونيوم. وتقول إن العرض نقل بواسطة مبعوثين ليبيين في سبتمبر/أيلول من العام نفسه.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 1978، تضيف الوثيقة أن رئيس الوزراء الليبي عبد السلام جلود زار باكستان، وجدد استعداد ليبيا لتمويل المشاريع النووية الباكستانية.
هل يناقشون استخدام السلاح النووي ضد إيران؟ تحذير صادم من مارجوري تايلور غرين
عبد القدير خان ودوره في نووي باكستان
كما تشير الوثيقة نفسها إلى الدور المحوري للعالم الباكستاني عبد القدير خان في تطوير البرنامج النووي الباكستاني، إذ تتحدث عن المعرفة التقنية التي اكتسبها خلال وجوده وعمله في أوروبا، وخصوصا في مجال أجهزة الطرد المركزي وتخصيب اليورانيوم، قبل أن يتولى مسؤولية مشروع سري لبناء منشأة مماثلة في باكستان.
لكن المعرفة التقنية وحدها لا تختصر القصة. وهنا يبرز السؤال: إلى جانب معرفة عبد القدير خان وخبرته، هل كانت باكستان ستصل إلى قدراتها النووية بالوتيرة نفسها لولا الدعم المالي الذي عرضه معمر القذافي؟
هل كان مصير القذافي سيختلف لو امتلك القنبلة؟
باكستان واصلت طريقها حتى أصبحت قوة نووية معلنة.
أما القذافي، فبعد سنوات طويلة من المواجهة والعقوبات، تخلى في نهاية المطاف عن برامج أسلحة الدمار الشامل الليبية. وبعد أقل من عقد، تدخل حلف الناتو عسكريا في ليبيا عام 2011، وسقط نظامه وقتل القذافي.
The Journalist الصحفية: أخطر مسلسل ياباني عن الفساد السياسي والصحافة
هل النووي هو الحماية الأخيرة؟
من ليبيا إلى العراق، ومن باكستان إلى كوريا الشمالية، تفرض التجارب سؤالا يصعب تجاهله: هل أصبح امتلاك السلاح النووي يجعل القوى الكبرى تفكر ألف مرة قبل الدخول في حرب تهدد وجود دولة أو نظام؟
هل كانت الهند ستتعامل مع باكستان بالطريقة نفسها لو لم تكن إسلام آباد قوة نووية؟
وهل كانت الحسابات الإسرائيلية تجاه إيران ستبقى نفسها لو كانت طهران تمتلك سلاحا نوويا بالفعل، وليس برنامجا نوويا وقدرات على التخصيب فقط؟
وهل كانت الولايات المتحدة ستغزو العراق عام 2003 بالطريقة نفسها لو كان صدام حسين قد نجح فعلا في امتلاك قنبلة نووية؟
ثم هناك كوريا الشمالية. دولة تواجه الولايات المتحدة وحلفاءها منذ عقود، وتعيش تحت عقوبات وعزلة دولية، لكنها تمتلك السلاح النووي. فهل تستطيع أي قوة اليوم التفكير في غزوها وإسقاط نظامها كما حدث في العراق وليبيا، من دون أن تحسب ألف حساب لاحتمال تحول الحرب إلى مواجهة نووية؟
والسؤال يصل إلى السعودية ودول الخليج أيضا. في منطقة تتغير فيها التحالفات، وتواجه الصواريخ والطائرات المسيّرة والحروب والتهديدات المتبادلة، هل كانت هذه الدول ستشعر بأنها أكثر أمنا واستقلالا لو امتلكت ردعا نوويا خاصا بها؟
والأهم: هل كانت ستحتاج بالدرجة نفسها إلى القواعد العسكرية الأميركية والمظلة الأمنية الخارجية، أم أن امتلاك قوة ردع استراتيجية كان سيمنحها استقلالية أكبر في حماية أراضيها وصناعة قراراتها الأمنية؟


