هذا ما حدث معي.. أشعر بالندم والذنب.. قصرت بحق أمي.. طلبت مني وهي تحتضر أن أنقلها من المستشفى إلى البيت كي تموت مرتاحة ولم انفذ، كانت خائفة أكثر من موجوعة، يا لندمي.. لماذا لم أتحد شقيقي وابن خالتي وكانا الطبيبان المشرفان عليها في ساعاتها الأخيرة.. كيف أصبحت أمي الست الآمرة، مأمورة عاجزة.. وأنا في ساعاتها الأخيرة تضامنت مع القوي ضدها.. فكرت كثيرًا: لماذا لم أكسر كلامهما واحمل امي الى بيتها وهذه رغبتها الأخيرة؟
خفت أن يعتبرونني دخيلة على اختصاصهما.. هل هذا جواب كاف.. طبعا لا..
إقرأ: نضال الأحمدية: رغيف طفل وحرب.. قصة
لقد قصرت وتهاونت.. لا تفعلوا مثلي
«لذا يخطر ببالي أن أوصيكم بأهلكم..
أعرف أنكم لا تهملونن أهلكم لأنكم لا تحبونهم، بل لأنكم تظنون أنهن باقيات.
يعمل العقل البشري بطريقة عجيبة وخطيرة: ما نعتقد أنه دائم نؤجله، وما نخشى فقده ونهايته نحميه ونرعاه.
الأم في وعي أولادها إنسانة ابدية، بل موظفة مستمرة: تسامح، تنتظر، تفهم، وتبقى.
اقرأ: نضال الاحمدية: لماذا صليبك عقدك؟
حين يتحول الإنسان في أذهاننا إلى وظيفة، يتوقف التفكير فيه ككائن هش يتألم ويذبل.
كثير من الأبناء لا يرون أمهاتهم كنساء يهرمن، يخفن، يمرضن، ويشعرن بالوحدة، بل يرونهن كجدارٍ صلب، كخلفية ثابتة للحياة، وكمخلوقات مضمونة. والمضمون لا يُخاف عليه ولا يُرعى.
لماذا يهرب الأبناء من التفكير بموت أمهاتهم؟ لأن الاعتراف بفناء الأم يعني مواجهة الذنب وأسئلته القاسية:
هل كنتُ لطيفا؟ هل قصرت؟ هل آذيتها؟ هل تركتها وحدها؟ وأمام قسوة هذه الأسئلة، يهرب العقل إلى الإنكار ويمني نفسه:
“ما زال هناك وقت، سأعوضها لاحقاً، هي تفهم”..
لكن الزمن لا يفهم، والوقت ينفد سريعًا.
اقرأ: وزير الثقافة السوري وثقافة السرقة للأرشيف اللبناني
علمنا المجتمع كذبة كبرى: أن صبر الأم بلا حدود، وأن وجودها مضمون.
الحقيقة أنها ضيف خفيف كريم في حياة أولادها، وستخرج من حياتهم قريبًا.
لذا لا يستفيق الكثيرون إلا بعد الفقد، حين يداهمهم إدراك متأخر وموجع:
“لو أنني علمت، لو أنني انتبهت، لو أنني احتضنتها أكثر
الحقيقة المؤلمة أن الوقت قد فات.

