في جسد كل منا أعجوبة هندسية في جسمه، وما سأتحدث عنها الآن، لم أكن لأعرفها لولا المقولة اللبنانية الشهيرة عند المسيحيين: (صليبك عقدك).
صليبك عقدك، نقولها لإنسان يتعذب من مرض أو فراق أو أي جرح، فنتعاطف معه وننبهه بأن هذا قدره وعليه التحمل.. كنت أُفسر المقولة بعلاقتها بآلام السيد المسيح على الصليب لكن تبين لي أن الأمر غير ذلك..
إقرأ: نضال الأحمدية: المصري في لبنان غير المصري في مصر
في جلسة روحية مع أحد مشايخ الدروز الموحدين، قال ردًا على من يرفضون صليب يسوع فقال: كيف لم يُصلب يسوع؟ وأضاف:
كل منا صليبه في جسمه.. نحن نولد مصلوبين في جسد.. وقال:
؛ لو قست المسافة بين موضع المسمار في اليد اليمنى إلى نظيره في اليد اليسرى، بشبر يدك أنتِ، لخرجت النتيجة دائمًا بسبعة أشبار. ولو قست الطول من أعلى الرأس حيث تاج الشوك على رأس يسوع، إلى أخمص القدمين حيث المسامير باليد ذاتها، ستأتي النتيجة سبعة أشبار أيضاً.
هذا التطابق الرياضي الثابت، بين فتحة الذراعين وطول القامة، ليس فقط مسألة تشريحية رصدها ليوناردو دا فينشي في “رجل فيتروفيو”، بل شيفرة رمزية عميقة: صليب الإنسان ليس بالصلب على خشبة خارجية، بل هو الصليب في تكوينه الفيزيائي/الجسدي منذ الولادة.وقال لي: القول الشائع “كل إنسان صليبه على قده” ليس تعبيرًا مجازيا للدلالة على آلام المسيح.. إنه حقيقة علمية وحقيقة تشريحية ونفسية. أدوات القياس تنبع من الكف ذاتها، والذراعان هما اللتان تحددان اتساع المأساة وحجم القدرة على الإمساك بها. لا أحد يحمل صليب غيره، لأن أبعاد الآلام تُقاس حصراً بشبر يد صاحبها.
إقرأ: لو عاد السيد عبدالله هل كان سيدفع ٦٧٠ ألف دولار؟وقال لي الشيخ الجليل بصوته الجهوري المؤمن، الفاهم، الواعي ومن أجمل الاصوات التي سمعت”:
التناقض الأقسى في هذه التجربة، يكمن في ذاك الجدل المفتوح بين سجن الجسد وتسامي الروح.
الجسد/المادة وهي الصليب الأول، محكوم بقوانين الاندثار والتآكل.. لذا يشيخ، يترنح، ويعجز بالتدريج.
وفي اللحظة التي يصل فيها العقل إلى درجات عال من الحكمة، والقلب إلى مراتب المعرفة، تبدأ هذه الأداة الترابية/ الجسد، في التعطل وتموت، انه الصليب الذي نعيش معه كل العمر لكنه حين يقرر فيقتلنا.:

