قبل الفكرة والتجنيس العربي الجديد، كانت المساحة التي تعرفها الآن، أوطانًا لشعوب وحضارات أقدم: المصريون القدماء، الفينيقيون، السومريون والأكديون والبابليون والآشوريون، الكنعانيون والآراميون، الأمازيغ، والنوبيون، وغيرهم.إذًا حين نقول «الحضارة العربية» فأي حضارة نقصد؟مثلاً الحضارة الإسلامية التي ازدهرت في العصرين الأموي والعباسي، من الظلم اختزالها عرقيًا بالعرب. كانت العربية لغتها، لكن بناة علومها وفلسفتها وطبها وإدارتها كان العرب فيها قليل ومعظمها من الفرس والسريان والأمازيغ والأقباط والأندلسيين وغيرهم وكلهم كانوا قبائل.
قرأ: بالأدلة.. نزار فرنسيس ورط عاصي الحلاني.. وهنا أول اصطدام مع خبرية العروبة:
اللغة صنعت فضاءً أوسع بكثير من القبيلة، ثم جاءت القومية الحديثة وحاولت تحويل هذا الفضاء المتعدد إلى أمة سياسية واحدة فلماذا فشل؟.من اخترع العروبة الحديثة؟كلنا يعرف إنه جمال عبد الناصر لكن ماذا قبله؟.في القرن التاسع عشر، ومع تهاوي السلطنة العثمانية، بدأت النهضة العربية الحديثة. لعب مثقفون من بلاد المشرق العربي، التي سموها الشام خطأً، وهم مسيحيون عرب، لعبوا الدور الأول قبل عبد الناصر، فأحيوا اللغة والأدب والصحافة ولعبوا أيضًا الدور الرئيس في بلورة وعي عربي ثقافي حديث.برز اللبنانيون بطرس البستاني وناصيف اليازجي وإبراهيم اليازجي، ثم جاءت أسماء مثل ساطع الحصري وقسطنطين زريق واخرهم كان ميشيل عفلق وغيرهم.هل يوجد فرق بين النهضة العربية والقومية العربية.
اقرأ: لو عاد السيد عبدالله هل كان سيدفع أكثر من نصف مليون دولار لدار الطائفة يكملان بعضهما لكن الأولى مشروع ثقافي ولغوي وفكري. أما الثانية فتحولت في القرن العشرين إلى عقيدة سياسية تقول، باختصار: إن الشعوب الناطقة بالعربية تشكل أمة واحدة ينبغي أن تتجاوز الحدود التي قسمت المنطقة إلى دول.وخرج الشعار الأشهر لاحقًا: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. لكن أين كانت هذه الأمة على الأرض؟كانت مصر والعراق ولبنان والمغرب وسوريا واليمن وغيرها، لكل منها تاريخها وتركيبها ومصالحها وسلطاتها وذاكرتها المحلية المختلفة تمامًا.أي أن القومية حاولت أن تجعل الشعور القومي، شعورًا مشتركًا، أقوى من الدولة والقبيلة والطائفة والمنطقة والعائلة.لكن القبيلة أقوى.. كيف؟
اقرأ: نضال الأحمدية: المصري في لبنان عير المصري في مصر
مع جمال عبد الناصر وصلت العروبة إلى أعلى لحظاتها الجماهيرية.بعد ثورة 1952 وتأميم قناة السويس، وحرب السويس سنة 1956، تحول عبد الناصر بالنسبة لملايين العرب إلى رمز للتحرر والشرف والقوة والعظمة ضد الاستعمار والهيمنة الغربية.عبد الناصر صار الرمز لكل العرب. صار صوتًا عجائبيًا جمع المثقفين والجهلة والقبائل لأول مرة في تاريخ هؤلاء.ومن بغداد إلى بيروت ودمشق وصنعاء والجزائر، أصبح السؤال: لماذا لا يكون العرب قوة واحدة؟وجاءت التجربة الكبرى سنة 1958: ب الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا. وكانت الامتحان الذي سقط تحت اقدام القادة والقبائل والعائلات.وسقطت الوحدة السورية والمصرية، ولم تعش إلا نحو ثلاث سنوات.في 1961 وقع الانفصال. وظهرت المشكلة التي ستلاحق كل مشاريع العروبة لاحقًا:من يحكم من؟ من يتنازل لمن؟ يعني أين تنتهي سيادة الدولة وأين تبدأ سيادة الأمة؟كلنا عرب حين نرفع الشعار، لكن حين تصل المسألة إلى الجيش والمال والقرار والسلطة، يعود كل طرف إلى دولته ومركز قوته وقبيلته.
اقرأ: نجوى كرم: الرجل يخاف من المرأةهل المشكلة في القبيلة؟نعم وبنسبة عالية. المجتمع القبلي يقوم تاريخيًا على الولاء: الولاء للأسرة، الفخذ، العشيرة، القبيلة، والحلف.وهذا يخالف إقامة الدولة الحديثة: يعني لم يكن ولاء العربي للقانون والمؤسسة، حتى عندما يكون الحاكم من خارج عائلته وطائفته ومنطقته.صار الحزب قبيلة. والطائفة قبيلة. والزعيم شيخ قبيلة حديثًا. والمخابرات حرس القبيلة. والدولة غنيمة تتقاسمها الجماعات المنتصرة.وهكذا ارتدينا ربطة العنق، وبنينا الوزارات ورفعنا الأعلام، لكن مفهوم الدولة نفسه سقط فسقطت العروبة.
المسيحي صنع الفكرة والمسلم قصف عمرها.. لستم معتادون على تسمية الأمور بأسمائها.. أنا لست مثلكم جبانة،

