مادونا عرنيطة، المرأة التي أطلّت علينا في زمن لم تكن فيه صناعة النجوم كما نعرفها اليوم، ولم تكن الشاشات العربية امتلأت بالكليبات ولا الراقصين ولا مصممي الصورة ولا فرق الـ Styling التي تصنع للفنان شخصية كاملة.
اقرأ: نضال الأحمدية عن شائعة وفاة الليدي مادونا: عيب وصلت مادونا وكأنها تعرف كل ذلك قبل أن يصل إلينا.كانت جميلة بصورة استثنائية، لكن الجمال وحده لا يصنع ظاهرة.كان عندها شيء أهم من الجمال بكثير: كانت تعرف كيف تكون جميلة. تعرف ماذا ترتدي، وكيف تطل وكيف تقف وكيف تتدلل ومتى وكيف تجعل الثوب جزءًا من حضورها تلبسه ولا يلبسها. شعرها، ماكياجها، أكسسواراتها، قامتها، خطواتها، وحتى غضبها، كانت كلها تنتمي إلى شخصية واحدة اسمها: مادونا ما جاء مثلها في لبنان.ولذا لم تكن تشبه المطربات اللواتي سبقنها ولا اللواتي عاصرنها، وكل اللواتي قلدنها كانت تنقصهن الكفاءة والعزة والكرامة التي رفضت مادونا التنازل عنها لصالح اي ثروة وأي عز وأي مجد أرضي تافه.
اقرأ: الإعتداء على وجه نجوى كرم وجسد مادونابعد صباح.. جاءت مادوناقبلها كانت صباح. وصباح ليست مطربة فقط حتى نقارن صوتًا بصوت. صباح صنعت مفهوم النجمة اللبنانية الشاملة أيضًا: تعطي المسرح كل ما يريد.
وبعد صباح، كانت مادونا أول مطربة لبنانية قدّمت الاستعراض بوصفه هويتها الفنية، لا زينة توضع حول الأغنية.يعني “دبّيكة” خلف المطرب ليس استعراضًا ووجود كورس يتحرك يمينًا ويسارًا ليس استعراضًا.وأن تغيّر المطربة فستانها ثلاث مرات في الحفلة لا يجعل منها فنانة استعراضية ولا إن لبست كيلو ذهب حول عنقها.الاستعراض أن تتحرك الموسيقى والملابس والجسد والإضاءة والراقصون حول فكرة، وأن تصبح العين شريكة للأذن في تلقي الأغنية.
اقرأ: الليدي مادونا أصيبت بالسرطان وتروي تجربتها بألمهذا ما فعلته مادونا.حتى الصحافة التي كتبت عنها، بعد سنوات طويلة عادت إلى الوصف نفسه: «ملكة فن الاستعراض»، و«فنانة الاستعراض الأولى في لبنان»، مادونا سبقتهم وتفوقت عليهم كلهم، إذ كانت نجمة الاستعراض الأولى والوحيدة في لبنان، والعالم العربي بالمعنى الذي يميز اللوحة الاستعراضية عن الفوازير.لم نخترع لها اللقب بعد غيابها. كان هذا موقعها فعلًا.جاءت قبل أن نتعلم صناعة الـ Image
اقرأ: مادونا تزور بولا يعقوبيان وهذا ما قالتهاليوم يستطيع أي فنان أن يفتح هاتفه ويرى خلال دقائق ماذا ترتدي بيونسيه، وأحدث صيحات باريس وميلانو، وكيف صُوّر آخر كليب أميركي.مادونا لم تكن تملك هذا العالم المفتوح. ومع ذلك أطلّت علينا امرأة تبدو وكأنها قادمة من صناعة فنية أكثر تقدمًا من السوق التي استقبلتها.وهذه واحدة من أهم ميزاتها. لم تكن تنتظر الأغنية كي تصنع لها صورة. هي نفسها كانت الصورة وهذه مدرسة لم نفهم قيمتها إلا لاحقًا، عندما أصبحت الـImage جزءًا من صناعة النجم العربي، وتواجد جيش كامل خلف كل إطلالة: مصمم أزياء مصفف شعر وخبير ماكياج ومدير فني ومصمم رقص ومصور ومدير للصورة.مادونا كانت تفعل كل هذا بجسد واحد وذائقة واحدة وجرأة واحدة.
اقرأ: لماذا يشتم الرجل المرأة جنسيًاالأناقة ليست ثمن الفستانوتركت مادونا درسًا آخر. الأناقة ليست أن ترتدي الأغلى.كم من فنانة ارتدت ثوبًا بعشرات آلاف الدولارات ولم نتذكره في اليوم التالي؟ومادونا كانت تستطيع أن تضع ريشة، أو قبعة، أو قطعة أكسسوار غريبة، فتتحول إلى جزء منها. لم تكن الملابس ترتدي مادونا، مادونا كانت ترتدي الملابس.وصفها الكبير الراحل جورج ابراهيم الخوري: «ملكة جمال النجوم»، وكتبنا عنها احيانًا باعتبار ملابسها وحدها ظاهرة بحد ذاتها.وعلمتنا الجرأة من دون الابتذال وبدون الإعتداء على هوية الفنانة العربية.كانت قادرة على أن تظهر بملابس لم تكن مألوفة، وأن تتحرك بحرية، وأن تبالغ في الصورة، ورغم كل ذلك بقيت «ليدي مادونا”
يعني أن تصدمي العين دون أن تسقطي في الرخص..
الليدي مادونا كانت تملك ذلك بالفطرة وليس بالاستعارة.
اقرأ: شمس الكويتية ومريم نو ما الفرقحتى صوتها لم يكن نسخةوسط كل الكلام عن جمالها واستعراضها ننسى أحيانًا أنها كانت صاحبة صوت بتوقيع مادونا.لم تكن بحاجة إلى أن تسأل: من يغني؟في صوتها نبرة وبحّة وشخصية. وهذه أيضًا من شروط النجومية التي ضاعت لاحقًا: أن تسمع ثانيتين فتعرف صاحب الصوت. كانت أكبر من الصناعة التي أحاطت بها لهذا ابتعدت
اقرأ: مريم البسام أديبة النص السياسي وهنا مأساة مادونا. حين تظهر موهبة قبل اكتمال الصناعة القادرة على حملها، فتصبح ميزتها سبب خسارتها.ماذا تفعل بفنانة استعراضية تحتاج إلى إنتاج كبير في سوق يريد أغنية وحفلة؟ماذا تفعل بنجمة تفكر بالصورة في صناعة لم تكن قد أنشأت بعد؟بعد سنوات، قالت مادونا إنها لن تعود إلى العمل الغنائي الاستعراضي إلا عندما يتوافر إنتاج يلائم ما تقدمه.الجملة وحدها تشرح الكثير. الاستعراض مكلف. الحلم مكلف.والنجمة التي بنت صورتها على الإدهاش لا تستطيع أن تعود بنصف إدهاش.فراحت..

