نردد «وبالشكر تدوم النعم».
جملة تبدو دينية وروحية وأخلاقية، لكن علوم النفس الحديثة وكذا علم الأعصاب وضعاه تحت الاختبار
ماذا يحدث للإنسان عندما يعيش حالة الامتنان ويعي قيمة ما لديه؟.. هنا المفاجأة.
أظهرت أبحاث علم النفس، أن ممارسة الإمتنان ترتبط بتحسن الرضا عن النفس وقبول الحياة، وبانخفاض بعض مؤشرات القلق والاكتئاب، كما تشير دراسات إلى ارتباطها بنوم أفضل وعلاقات اجتماعية أكثر إيجابية. لماذا؟
وهنا يفعل الامتنان شيئًا مهمًا جدًا: يعيد الموجود إلى دائرة الانتباه.
حين أتوقف لأدرك أنني أملك شيئا ذا قيمة، فإنني أغير طريقة دماغي في التعامل مع النعمة الموجودة أصلا. وهذا ما حدث معي بعد عودتي من الهند أول مرة سافرت إليها وأمضيت شهرًا كاملا في رحاب أحد المعابد (معبد في كوانبتور) حيث شاركت بدورة تدرب على حياة مختلفة، ومنها العزلة، ومواجهة الفراغ، والصمت، والنوم على الأرض بدون مخدة، وغرفة صغيرة خالبة من مرآة، وأرضها باطون، وفي النهار مقابلة الحيوانات المفترسة من خلف السياج، وعدم توفر الطعام الذي يمكن أن أقبله. ما جعلني أجوع، لأن أكلهم مرعب تبعًا لذوقي كلبنانبة.
حين عدت إلى بلادي، فهمت أولا قيمة لبنان، وحين دخلت الى بيتي بكيت حبا بالبيت، نمت وأنا أتأبط مخدتي وكأني آضم ابني، غمرتها بعشق وشممت رائحتها الذكية وتلمست غطاءها الناعم وكأني أضع يدي على خد وليدي مبتهحة راضية..
وفي اليوم الثاني، وجدت أني املك كميات من الصحون والذهب والثياب والاكسسوار وكل ما يمكنهم تخيله فشعرت بفوضى غير قادرة على التكيف معها.. وطلبت أن يوزعوا ما أملك من كل زائد وما لا حاجة لي به..
اقرأ: دراسات جديدة عن التقمص.. رأوا جنازاتهم ولا يوجد جهنم
وبدأت افكر: لماذا اقتني كل هذا وأنا لا أحتاجه أصلا؟
مذاك وهذا الأهم، بدأت اعانق مخدتي وبدأت اعرف لون الشرشف والغطاء وشكل سريري، وبدأت ابتسم للوحة على الجدار لم أكن أعرف أنها موجودة.. بدأت احب مقتنياتي وأقدرها..
قبل الهند لا أعتقد اني كنت أشكر النعمة، الا بترداد عبارات لا قيمة لها مثل تردادي: اشكر الله وما كنت اعني الشكر بل عبارة لا قيمة لها!
لذا بدأت حياتي تتغير.. بدأت اتخذ قرارات سليمة وجريئة سابقًا كنت أخافها.. مثلا أسست مجلة (الجرس) دون تردد وكنت قبلها مترددة لعشر سنوات وأكثر.. بعت ما أملك إلا البيت ودخلت في شراكات خطيرة ونجحت.. تحديت سوق الأنظمة والمافيات والحكومات ونجحت..
لم يكن شكري فقط بالذكر وامتنان ما عندي، بل كنت مثلا ازور كنيسة مارالياس في انطلياس، وأركع لساعة أو اقل أو أكثر وابكي واصلي واشكر وأطلب رأغفر حتى لمن حاول قتلي ولمن قتلوا والدي فأفرعت قلبي من السواد الأعظم وهو الحقد..
اقرأ: وزير الثقافة السوري يسرق الأرشيف اللبناني
وما عدت آكل لأنه يجب ان آكل، في الهند تعلمت أن آكل إن جعت.. بدأت احب شكلي رغم التشوهات في وجهي ورأسي وجسدي نتيجة ضربي بالسكاكين، وكنت اخبئها بالماكياج، ما عدت احقد على من دفعوا لسوري وفلسطيني لقتلي.. بل وأكثر، تنازلت عن حقي الشخصي، للقتلة وقلت لهيئة المحكمة: إني أتنازل عن حقي لأن هذا الفلسطيني وذاك السوري حاولا قتلي لأنهما جياع.. هاتوا المحرض وحاكموه.
،الغريب ان صلاتي وامتناني جعلاني اعشق الحياة بمرها.. سامحت المحرض.. انتصرت على الحقد والشر في داخلي، أحببت صبري وتعبي ونعاسي.. لكن هنا يجب أن أنوه بأني فكريًا كنت جاهزة، يعني كنت فاهمة لعظمة السماح.. كنت قبل سنوات شاركت في عدة ندوات عن عظمة السماح واتذكر اني شاركت في ندوة تلفزيونية مع ماتيلدا فرج الله، في برنامج تلفزيوني وتحدث فيها عن آية: كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ.
والتي تعني أن أتنازل أنا عن حقي في الانتقام أو العقاب، فتكون هذه التضحية مني بمثابة بدل أو فدية يمسح الله بها ذنوبي ويسترها.. هذا لا يعني أني صرت قديسة! لكن نظفت داخلي وأدركت أن لعشق الله منافع روحية عظمى..
وأعود إلى العلم:
العلم يقول: إن الامتنان يغير طريقتنا في الانتباه والفهم، وكلاهما يؤثران في المشاعر، والمشاعر تؤثر في السلوك، والسلوك يزيد قدرتنا على حماية كثير مما نملك والاستفادة منه.
فيتحول الشكر إلى اسلوب حياة ينقذنا من الهفوات ومن الخطايا.
العلم يقول باختصار: حين تدرك قيمة ما لديك وتمارس الامتنان، يتغير شيء حقيقي في طريقة تفكيرك وشعورك وتصرفك
في القرآن: لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
وفي الإنجيل: اُشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ
وفي الحكمة الشريفة: الشكر ينتج الود، والود رأس الحكمة..
لذا إذا كنت لا تملك شيئا سوى سماء وارض.. اشكرهما.

