لا أخطر من صمتُ العارفين.الصمتُ له حكمة. لكن الخطر، كل الخطر، أن يلوذَ أصحابُ القلم وتجاربُ العمر بـ “وضع الصامت”، وسط ضجيجٍ يعلو فيه صوتُ الزيف، وتُصنَع فيه الأوهامُ على مقاس الرغبات.قد يبدو للبعض أن الابتعاد عن شاشاتٍ أتقنت فن التخدير، نوعٌ من الترفع أو حماية الذات من الابتذال. يُخيل للبعض أن قول الحقيقة لم يعد بضاعةً رابحة، وأن الجماهير باتت تكافئ من يبيعها المخدّر الجميل، وتصلبُ من يضع أمامه المِرآة. ولكن، هل كان الإعلام يوماً مهنةً لطلبِ الرضا؟ وهل كانت الحقيقة يوماً طريقاً مفروشاً بالورود؟
اقرأ: قرطة أم أرطة؟ اصل الكلمة التي يستخدمها اللبنانيونانسحابَ أهل الخبرة والحقيقة من المشهد -مهما كانت أسبابه مشروعة أو مبررة- ليس زُهداً، بل هو إعادة تشكيلٍ خطيرة للوعي الجمعي. عندما يصمت الصوتُ الصادق، لا يتبقى في الساحة إلا الفراغ، والفراغ في الإعلام لا يبقى فارغاً؛ بل تملؤه السطحية، ويستولي عليه أصحاب الأوهام، حتى تصبح الجريمة واقعاً، والوهمُ حقيقةً مطلقة.الصمتُ في زمن التزييف ليس حياداً، بل هو شيكٌ على بياض يُمنَح للباطل ان يعيد رسم الجغرافيا والذاكرة. أن تختار الشاشاتُ أن تكون “غشاشة”، فهذا زمنٍ رخيص. أما أن يختار أصحاب الحق أن يكونوا “صامتين”، فهذه استقالةٌ مبكرة من خوض المعركة الوحيدة التي تستحق أن تُخاض: معركة الوعي.الحقيقة تُزعج، وتُعاقَب، وقد تدفعُ صاحبها إلى المواجهة الدائمة، لكنها الذخيرة الوحيدة التي تبقى بعد أن تتبدد كل الأوهام. الشاشات تتغير، والوجوه تتبدل، والأقنعة تسقط، لكن الصوت الذي رفض أن يُستدرَج إلى لعبة التخدير، ورفض في الوقت نفسه أن ينطفئ، هو وحده من يكتب التاريخ.لن نكون ضحية المثالية المفرطة، نعلم تماماً كيف يُصنع الوهم وكيف يُباع. لكننا نعلم أيضاً أن الكلمة لم تُخلَق لتموت في الحناجر، وأن الضوء لا يُطفَأ لمجرد أن العتمة أصبحت أكثر راحةً للنائمين. الصمت خيارُ من يرغبون في الرحيل.. ونحن لم نصل بعد لنرحل.

