في ليلة واحدة خسرت كل شيء.. ليس وحدي.. انا واخوتي السبع إكرام وناصر وطارق وجميلة وضياء وخالدة وطليع.اكبرهم كنت انا وعمري 13.. ما عاد عندنا بيت ولا شجرة توت ولا كروم عنب ولا كرم الزيتون ولا عين المي والجرة الفخار ولا كتاب ودفتر وقلم.. تحت زخ الرصاص كانت امي تحمل أصغرنا طليع (في الأشهر الأولي) وتهرب الى بيت الجيران لتعود وتحمل الثاني.. وأنا كنت اجمع ارشيف والدي وبعض الذخائر من الرصاص الذي كانوا أودعوها في بيتنا باعتبار والدي كان مناضلا ولم يكن خياره أن ينشيء أول مخيم عسكري لتدريب الراغبين بالقتال دفاعا عن النفس.
هكذا فهم والدي من كمال جنبلاط في العام 1975
في لحظات اصبحنا عراة من كل رحمة.. تنقلنا بين قرية لبنانية واخرى جياع نخجل من طلب لقمة.. طليع كان عمره أقل سنة..ما كان يخاف من أمي ان تنهره اذا بكى جوعا وبردًا.. وبقينا على هذه الحال سنوات جوع وموت وقهر وذل وبرد وعوز.استأجر لنا والدي شقة صغيرة في مار مخايل/بيروت وفي الطابق الثالث.. كانت مدام بديع تسكن في الرابع.. وكانت تداوم كل صباح على شراء طبق كامل من المناقيش وتصعد الدرج فتمر بنا.. كان طليع يبكي ويحبو كجرو صغير إلى البوابة الرئيسية حين يشم رائحة الخبز.. ولا أحد منا كان يسكته لأنه كان يبكي جوعًا بالنيابة عنا كلنا.
ام بديع عرضت علي مرة ان تتبرع بمنقوشة ورغيف لكنني ارتعبت أن أقبل لأن ذلك عار في قاموس أمي.. المفروض ان الناس في الحرب يكسرون كل التقاليد.. لكن أمي كانت عبارة عن جبل كرامة لا ينحني.. كانت تبكي بصمت وتتنهنه.
سرعان ما انتشرت اخبارنا “عائلة درزية مهجرة يا حرام ما معن حق رغيف” عرضت علي مدام بديع أن أعمل مرافقة لسيدة في القاطع الثاني/مسيحية من الخنشارة.. مساعدة قالتها تجميلا لكلمة خادمة.. وافقت بشرط أن لا تخبر أمي الحقيقة وأن نقول لها أنني ساعلم تلميذًا كل يوم بعد دوام المدرسة.وحين قبضت أول راتب اشتريت المناقيش والحلويات والشوكولا لطليع.. وبالراتب الثاني اشتريت غطاءً من الصوف وبعض أدوات المطبخ وعدس ورز .. وبالراتب الثالث اشتريت مناقيش لكن باللحمة.
وأمضيت شهورًا أحتال.. مذ ذاك فهمت أن العبيد ينتصرون بالحيلة.
انتهت الحرب وكبر طليع وتخصص في أهم الجامعات، وصار جراحًا عظيمًا وعاد الى لبنان وتعاقد مع اكثر من مستشفى وفتح عيادة لكن وزير الصحة الدرزي لم يعجبه أن طبيبا درزيًا لا ينتخبه، فرتب له ملفًا مفبركًا، وفهم طليع ان عليه ان يرضي زعيم الوزير، فقصد تيمور بيك جنبلاط، شارحا له ماذا فعل وزيره:
فقال له تيمور وليد جنبلاط بالحرف: معقول جراح بحجمك رجعت عهيك بلد؟ شو راجع تعمل هون.. في وائل عنا بخلصك منو كيف بخلصك من وائل تاني؟.
وبينما كان يخبرنا طليع عن قراره بالرحيل من جديد بكت امي بحرقة.. رتب حقيبته للسفر فماتت امي.استقبل التعازي بها وبلبنان ورحل.

