السامية ليست حصراً للصيوني: كيف حوّلت الصهيونية المفهوم إلى حِكر سياسي؟في العقود الأخيرة، تحول مصطلح (مناهضة السامية) من مفهوم لغوي وتاريخي إلى أداة سياسية واستراتيجية تُستخدم لترسيخ حصانة استثنائية لصالح الحركة الصهيونية وسياسات دولة إسرائيل.هذا الاستئثار مر بعدة مراحل احتكار:1. الاختطاف اللغوي والتاريخي للمفهوم
اقرأ: اليسا: كنت فرعونية في الحياة السابقة الأصل العلمي واللغوي:
يعود مصطلح السامية في أصله إلى المستشرق الألماني أُغسطس شلوزر (1781)، وكان يُقصد به مجموعة اللغات والشعوب السامية التي نشأت في الشرق الأوسط، وتضم العرب، والأراميين، والأشوريين، والكنعانيين، والعبيريين (العبرانيين). التخصيص المفتعل:
عندما صاغ الصحفي الألماني فيلهلم مار مصطلح مناهضة السامية عام 1879، كان يحاول إعطاء طابع علمي وهامش مدني لعدائه لليهود في أوروبا. الاستحواذ الصهيوني:
بدلاً من بقاء المصطلح جامعاً لكل من ينتمي للفرع السامي، عملت الأدبيات الصهيونية على حصره بالكامل في الديانة اليهودية أو العرق اليهودي، وإسقاط حق باقي الشعوب السامية، وعلى رأسهم العرب في المفهوم.
اقرأ: مشاهد الغرام ليست كما تبدو.. وسائد وإخلاء الاستديو2. تحويل التهمة إلى “سلاح دبلوماسي وشامل”لم يكتفِ المشروع الصهيوني بالاستئثار بالمفهوم، بل وسعه ليتعدى كره اليهود كأفراد، ليشمل أي نقد لـ “الدولة” أو سياساتها: التطابق القسري:
فرضت الحركة الصهيونية معادلة مفادها: كليهوديهوصهيونيبالضرورة،وكلنقدللصهيونيةأولإسرائيلهونقدلليهوديةكدين،وبالتاليهو “عداءللسامية“. شطب التمييز:
ألغت هذه المعادلة أي مساحة للتمييز بين الديانة اليهودية (كعقيدة روحية) والصهيونية (كحركة سياسية استعمارية)، مما جعل أي موقف سياسي مناهض للاحتلال موصوماً بالعداء للسامية فوراً.
إقرأ: رسالة من زياد الرحباني إلي ريما3. تقنين الاستئثار عبر المؤسسات الدوليةتجلى هذا الاحتكار بوضوح في “التعريف العملي لمناهضة السامية” الذي أصدره التحالف الدولي للذاكرة بالهولوكوست والذي جرى تبنيه في العديد من البرلمانات والمؤسسات الغربية.يضم هذا التعريف أمثلة تسلّح المفهوم وتجعل مجرد استهداف السياسات الإسرائيلية أو وصف إسرائيل بـ “مشروع عنصري” شكلاً من أشكال العداء للسامية.أدى هذا التقنين إلى تضييق حرية التعبير، وإرهاب الأكاديميين والصحفيين والسياسيين، وحظر أنشطة المقاطعة وسحب الاستثمارات.4. المفارقة الكبرى: “العربي السامي” المتهم بالعداء للساميةتكمن الأزمة الفكرية والأخلاقية لهذا الاحتكار في المفارقة التالية:العرب (أصحاب الأرض واللغة السامية الأصيلة) يجدون أنفسهم متهمين بـ “العداء للسامية” لمجرد دفاعهم عن حقوقهم الوطنية والإنسانية ضد دولة احتلال.تُستخدم التهمة لإلغاء المظلومية التاريخية للشعب الفلسطيني، وتحويل الطرف المعتدي إلى “ضحية أزلية” تستحق الاستثناء الدائم من القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية.كسر الحصار المفهوميإن تفكيك الاستئثار الصهيوني بمفهوم السامية لا يعني إنكار جرائم الاضطهاد التي تعرض لها اليهود في أوروبا على مر التاريخ، بل يعني رفض استغلال تلك المظلومية لشرعنة مظلومية أخرى.استعادة المفهوم إلى سياقه اللغوي والتاريخي الحقيقي يُعد خطوة أساسية لفك التداخل المفتعل بين الدين والسياسة، ولضمان ألا تُستخدم المفاهيم الإنسانية كدروع للحصانة والحماية من المساءلة الدولية.

