الصناعة الفنية العربية اعتادت أن تسأل الفنان الجديد: «بمن يشبه؟»، ظهرت ماريلين نعمان لتطرح سؤالًا معاكسًا: لماذا يجب أن تشبه أحدًا أصلًا؟
وهنا تحديدًا تكمن خطورة مارلين الحالة المختلفة والمتمردة.ماريلين نعمان ليست، حتى الآن، «أسطورة» ولا يجوز تحميل تجربتها القصيرة، ما لم تثبته السنوات بعد. لكنها بالتأكيد واحدة من أكثر الحالات الفنية اللبنانية الجديدة إثارة للاهتمام، لأن صعودها لا يبدو نسخة مصغّرة عن صعود النجوم الذين سبقوها.خلال نحو ثلاث سنوات، تحولت إلى واحدة من أبرز وجوه البوب العربي الجديد. ماريلين أصبحت «ظاهرة»: حفلات كبيرة في لبنان واوروبا، وعشرات الملايين.الأرقام مهمة، لكنها ليست القصة.
القصة، كيف وصلت ماريلين نعمان إلى هذه الأرقام. وهي لم تدخل من الباب الذي يدخل منه النجوم عادة
الصناعة العربية بُنيت، طوال عقود، طريقا شبه محفوظ للنجومية: أغنية ضاربة، كليب، إذاعات، تلفزيونات، اعلانات، شركة إنتاج، علاقات إعلامية، مهرجانات، ثم تكرار الوصفة إلى أن يصبح الإسم مألوفًا.ماريلين تنتمي إلى جيل تغيّر فيه الطريق نفسه.
الجمهور يستطيع اكتشاف الأغنية قبل أن تقرر محطة تلفزيونية أنها تستحق الاكتشاف. ويمكن لمقطع قصير أو أداء حي أن يبني علاقة مع المستمع، ثم تأتي المؤسسة الإعلامية لاحقا.وهذا تحول بالغ الأهمية. لأن الفنان الذي يصنع جمهوره بهذه الطريقة بغنى عن الإعلام، يصبح أقل اعتمادًا على «حرّاس البوابة» التقليديين.ماريلين اليوم لديها أكثر من 140 ألف مستمع شهري على Spotify وحده، فيما حققت بعض تسجيلاتها ملايين الاستماعات؛ أغنية «أنا مين» مثلًا تجاوزت أربعة ملايين استماع على المنصة بحسب البيانات الظاهرة حاليًا.لكن الأهم أن الجمهور لم يأتِ إليها لأن ماكينة ضخمة قالت له: هذه نجمة، أحبوها.يبدو أنه جاء أولًا، ثم بدأت الصناعة تدرك أن أمامها نجمة.وهذا فرق هائل.
صوت ماريلين نعمان في انها لا يحاول إثباتهواحدة من أكثر سمات ماريلين إثارة للاهتمام أنها لا تتعامل مع الغناء كمسابقة عضلات صوتية.في الغناء العربي لدينا إرث ضخم، يجعل المستمع ينتظر أحيانًا الطبقة العالية، والعُرَب، والاستعراض، واللحظة التي يصفق فيها الجمهور لقوة الحنجرة.ماريلين تفعل شيئًا آخر.الصوت لديها وسيلة للسرد.تقترب أحيانًا من الكلام، تهمس، تترك الجملة تمر ببساطة، ثم تستخدم قوتها حين تحتاج إليها الأغنية لا حين يحتاج الفنان إلى إثبات قدرته او يريد ان يستعرض عضلات صوتية. وهذا يجعل المستمع يشعر بأن هناك شخصًا يخاطبه، لا مغنية تؤدي أمامه امتحانًا.قد لا تكون صاحبة «أضخم» صوت في جيلها، وهذا تحديدًا ليس مهمًا.لأنها بدأت تطرح معيارًا مختلفًا:
هل يلمسك الصوت أم يبهرُك؟والأخطر: أن ماريلين لبنانية من دون أن تعلن ذلك كل خمس دقائقهنا أرى واحدًا من أهم أسرار الحالة.ماريلين لا تبدو وكأنها ترتدي الهوية اللبنانية كزي فولكلوري.اللهجة موجودة بصورة طبيعية. طريقة تركيب الجملة موجودة. المزاح موجود. الخفة والحزن موجودان. وحتى علاقتها بالموسيقى الغربية لا تبدو محاولة للهروب من المحلية.هي نفسها قالت إن ما سمعته منذ طفولتها صنع شخصيتها الموسيقية، وإنها سعيدة بأنها وجدت طريقة للتعبير عن مشاعرها أساسًا بالكلمات اللبنانية، لأنها تمنح موسيقاها أصالة وهوية خاصة.وهذه نقطة شديدة الأهمية في زمن العولمة.لأن الطريق القديم إلى «العربية» كان يعني أحيانًا تخفيف الخصوصية المحلية حتى يصبح الفنان قابلًا للتسويق في كل مكان.أما النموذج الجديد فيقول العكس:كن محليًا جدًا، وقد تصبح عالميًا بسبب ذلك.ماريلين لا تبيع الأغنية وحدهاراقبت طريقة تقديم حفلاتها، وهنا يظهر جانب آخر من اختلافها.الحفلة عندها ليست مجموعة أغنيات مرتبة واحدة بعد الأخرى.هناك مفهوم. هناك سرد. هناك أزياء وفضاء بصري وتفاعل مع الجمهور وفكرة تبدأ قبل الأغنية الأولى وتنتهي بعد الأخيرة.في مقابلة مع Billboard Arabia حول حفلها في بيروت، شرحت أن العرض بُني حول رحلة بحث عن السعادة، وأن الجمهور دخل في التجربة منذ وصوله إلى المكان، حتى بعض العناصر التي وُزعت على الحاضرين كانت جزءًا من السرد المسرحي. وقالت إن تلك كانت المرة الأولى التي يقدمون فيها Storytelling كاملًا داخل الحفل.هذه ليست تفصيلة. هذه عقلية جيل جديد يفهم أن الفنان اليوم لا ينافس مغنيًا آخر فقط.إنه ينافس Netflix وTikTok والألعاب والسينما وكل شيء يمكن أن يأخذ انتباه الإنسان.لذلك لم تعد الأغنية وحدها دائمًا كافية. عليك أن تصنع تجربة.لكنها تفعل شيئًا أذكى، لا تقطع مع الماضي كان يمكن لماريلين أن تقع في الفخ المعتاد للفنان الشاب: إعلان الثورة على كل ما سبقه. لكنها لم تفعل.تغني من تراث فيروز وزياد الرحباني وغيرهما، وتنتقل إلى أغنياتها، وإلى الفرنسية والموسيقى الغربية، من دون أن يبدو الأمر معرضًا للآلات الموسيقية.وهنا يحدث شيء جميل جدًا.هي لا تقول لجيل أهلها: موسيقاكم انتهت. ولا تقول لجيلها: عودوا إلى الماضي. بل تحاول بناء جسر بين الاثنين.وهذه ربما إحدى أكثر الوظائف الفنية صعوبة: أن ترث من دون أن تقلد.لماذا أقول إنها «تهدّد الجميع»؟ ليس لأنها ستزيح هذه النجمة أو تلك عن عرشها، مع ان ذلك وارد،. لكن الاعتماد عايها تحولني الى قارئة سطحية.لكن حتمًا إن ماريلين تهدد القواعد التي عاش عليها النظام الفني.تهدد فكرة أن النجمة تحتاج إلى مصنع كامل ليخبر الناس أنها نجمة.وتهدد الاعتقاد بأن الانتشار العربي يتطلب التنازل عن الهوية اللبنانية.وتهدد نموذج الحفلة القائمة على أن يقف الفنان أمام الأوركسترا ويغني Hits واحدة تلو الأخرى.وتهدد الفصل التقليدي بين المغني والممثل والمؤدي وصانع العرض، فهي تعمل أيضًا في التمثيل، وتتعامل مع المسرح بعقلية درامية، ما يجعل حدود المهن عندها أقل صلابة. لكنها، قبل كل ذلك، تهدد شيئًا أخطر:التشابه. لأن الصناعة الفنية تستطيع التعامل بسهولة مع الناجح القابل للنسخ.تأتي نجمة ناجحة؟ نصنع عشر نسخ منها.ينجح إيقاع؟ ننتج خمسين أغنية بالإيقاع نفسه. ينجح شكل؟ نكرره.أما المختلف فعلًا فيسبب مشكلة، لأن نجاحه لا يقدم وصفة سهلة للآخرين.حتى صورتها لا تصرخ: انظروا إليّوهذه نقطة تستحق التوقف عندها.منذ التسعينيات خصوصًا، أصبحت النجومية النسائية العربية مرتبطة بشدة بالصورة: جلسات التصوير، الموضة، الجسد، الفساتين، الماكياج، الكليبات، صناعة الجمال نفسها. ماريلين جميلة، لكن جمالها ليس «المشروع».ولا يبدو أن صورتها تقول للمتلقي باستمرار: انظروا كم أنا جميلة.وهذا يحررها من سباق مرهق جدا دخلته أجيال من الفنانات: من الأجمل؟ من ترتدي الأغلى؟ من صورتها أكثر إثارة؟ من تتصدر مواقع التواصل بصورة جديدة؟حين يصبح المنتج الأساسي، الشخصية الفنية وليس الفنان المبدع..لديها أيضًا ما افتقدناه طويلًا وهو الشخصيةكثيرون يغنون جيدًا. وقليلون نعرفهم من ثوانٍ. وهذه هي المسألة.في الفن، الكمال التقني ليس دائمًا أثمن الممتلكات. أحيانًا يكون العيب الصغير، وطريقة نطق حرف، والضحكة، والصمت بين جملتين، واختيار أغنية غير متوقعة، أهم من طبقة صوت إضافية.ماريلين بدأت تبني ما يسمى بالهوية الفنية.حين تسمعها، لا تشعر بأن شخصًا ما جلس في شركة إنتاج وقال: «ما الذي ينجح هذه السنة؟ فلنصنعه».تشعر بأن هناك إنسانة لها ذائقتها الخاصة. وهذا حسب خبرتي مع كل النجوم منذ ٤٣ سنة فنادر والحقيقة ان التجربة الوحيدة الشبيهة في هذه النقطة فيروز وزياد الرحباني.والامتحان الحقيقي لمارلين لم يبدأ بعد هنا يجب ألا نسكر بالنجاح السريع. التاريخ الفني مليء بظواهر انفجرت ثم اختفت.الخمسون مليون مشاهدة ليست فيروز.والـSold Out ليس أم كلثوم.والـfollowers ليسوا تاريخًا.الاختبار الحقيقي لماريلين نعمان سيكون بعد عشر سنوات وعشرين سنة.هل ستملك عشر أغنيات يستطيع الناس العودة إليها بعد تغير الخوارزميات؟هل ستنجح في صناعة ريبرتوار لا مجرد لحظات ناجحة؟هل ستجد كتّابًا وملحنين وموسيقيين قادرين على النمو معها؟وهل ستعرف، وهذا الأصعب، كيف تتغير من دون أن تخسر الغامض الذي أحبه الناس فيها؟هذه الأسئلة لم تُجب عنها بعد. ولا يستطيع أحد أن يجيب عنها اليوم.ربما لهذا تستحق أن نراقبها.. كنت أبحث في سؤال مختلف تمامًا: لماذا لم يعد عصرنا يصنع أم كلثوم وفيروز؟ثم تظهر ماريلين نعمان لتجبرنا على تعديل السؤال.ربما المشكلة أننا نبحث عن أم كلثوم جديدة بالمواصفات القديمة.وعن فيروز جديدة بالمواصفات القديمة.مع أن كل ظاهرة حقيقية، حين ظهرت للمرة الأولى، لم تكن نسخة عن الظاهرة التي سبقتها.أم كلثوم لم تصبح أم كلثوم لأنها حاولت أن تكون أحدًا قبلها.وفيروز لم تصبح فيروز لأنها حاولت أن تكون أم كلثوم اللبنانية.ولهذا فإن أكثر ما يمكن أن يقتل ماريلين نعمان الآن هو أن يبدأ أحدهم بتسميتها «فيروز الجديدة».لا. دعوا فيروز في مكانها. ودعوا ماريلين تبحث عن مكان لم يكن موجودًا قبلها.فإذا استطاعت أن تفعل ذلك، وإذا صنعت خلال السنوات المقبلة أعمالًا تبقى بعد انتهاء الترند والمنصة والجيل نفسه، فسنكتشف لاحقًا أننا لم نكن نشاهد مجرد ولادة نجمة جديدة. بل كنا نشاهد تغيّر تعريف النجمة العربية نفسها.

